الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

06-11-2011 12:00

الأمن الفكري وإعادة صياغة المجتمع
ميسر الشمري - الحياة اللندنية

أعيدوا إليهم هويتهم الثقافية والفكرية، لكي يعودوا إلى جذرهم التاريخي. هذا نداء إلى وزارة الداخلية ممثلة بمؤسساتها العاملة على تأهيل المغرر بهم ومن ثم دمجهم بالمجتمع.

قبل نحو أسبوعين شاركت مستشار مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية الأخ الدكتور عبدالرحمن الهدلق في ندوة عن الأمن الفكري في بيشة، وتحدث خلالها الأخ عبدالرحمن عن الخطط العلمية لوزارة الداخلية في معالجة «الفكر الضال» في السعودية، فيما تحدثت من جانبي عن التحوّلات الفكرية والتربوية التي طرأت على المجتمع السعودي في العقود الأربعة الأخيرة.

الشبان السعوديون ليسوا شريرين بالفطرة، بل على العكس من ذلك، كما أن الأسرة السعودية متسامحة ومترابطة، وهو ما يعكسه تماسك المجتمع السعودي لقرون خلت، وبالتالي فإن مشكلة المغرر بهم جاءت كنتيجة حتمية للتغيّرات التي طرأت على المجتمع السعودي منذ مطلع السبعينات الميلادية، وهذا لا ينافي وجود قصور من بعض الجهات الرسمية لجهة حاجات الشبان، إذ لا وجود للمسرح والسينما وأماكن الترفيه، ليس هذا فحسب، بل إن تصميم أحيائنا يخلو من وجود الحدائق والملاعب التي من الممكن أن ينفس الشبان طاقاتهم فيها، فراحوا يجوبون الشوارع، مع وجود وفرة مالية وتشتت في الفكر والهوية والانتماء.

انتقلنا من البيوت الكبيرة التي يقطنها الأب والأبناء وزوجات الأبناء إلى بيوت مغلقة أشبه بصناديق التفاح الأميركي، وداخل هذه البيوت المغلقة غرف هي الأخرى مغلقة، لا الأب يعرف ما الذي يدور في غرف الأبناء، ولا الأبناء يعلمون ما الذي يفعله الأب في الاستراحة، وبالتالي أصبحت هناك فجوات داخل العائلة، وذلك لأننا لم نحسن التعامل مع النوعية الجديدة للسكن الذي فرضه علينا التحوّل الاجتماعي.

عندما كنا في عمر هؤلاء الشبان، كنا نكتفي بشراء أغاني عبدالله الصريخ وسلامة العبدالله وفهد بن سعيد ومحمد عبده وطلال مداح، كنا نحس بأنين العود وسلامة العبدالله يغني: «يا علي صحت بالصوت الرفيع... يامره لا تذبين القناع». كنا نتخيل سواحل جدة بكل بهائها آنذاك، عندما يغني محمد عبده: «دستور يالساحل الغربي... فلّيت في بحرك شراعي». كنا نحس بالكلمة المغناة قبل الموسيقى المصاحبة لها. كانت كلمات الأغاني تخرج من فم المغني وتصل إلينا كما لو إننا نحن الذين كتبناها. لاحظوا الفرق. في الثمانينات كان محمد عبده يغني: «قولوا لأهل ذيك المرابع والديار... ما نسينا الود لوحنا بعيد»، في مطلع التسعينات غنى محمد عبده: «أعلق الدنيا بمسمار.. مسمار مرسوم فيه جدار»، مع جدير احترامي لشاعرها الأخ الأمير المبدع بدر بن عبدالمحسن، فهي قصيدة نخبوية تصلح لأن تكون لوحة سوريالية للفنان سلفادور دالي، لا أغنية نستمع إليها لتمتص أوجاعنا في مرحلة عمرية مليئة بالوجد والهيام وتحتاج لأغنيات كلماتها واضحة وأشبه بالماء.

ليس هذا فحسب، بل إن التغيرات طاولت أشياء كثيرة في حياتنا. العائلة السعودية لم تعد تجلس على مائدة الغداء أو العشاء مجتمعة، ليصبح الغداء أو العشاء مناسبة لبحث مشكلات الأسرة، بل أصبحت العاملة المنزلية توزع الأكل على الأبناء في غرفهم وتترك عشاء الأب في الفرن أو الميكروويف.

نوعية الأكل هي الأخرى تغيّرت، فمن الكبسة والقرصان والمرقوق والسليق والجريش إلى الستيك والسكالوب بانية وصولاً إلى فيليه بأعشاب البحر وبط محشو بأوراق شجرة الألب.

كل هذه المتغيرات على السكن والأغنية والغذاء أدت إلى ولادة جيل ضائع بلا هوية، بلا انتماء. أدهى من ذلك أن هذه التحولات، أدت إلى ولادة جيل غير محصن فكرياً، بسبب عدم وجود مشاريع فكرية وثقافية موازية للتحولات، بالتالي أدت إلى جيل سهل الانقياد.

على وزارة الداخلية بمؤسساتها المعنية بالمناصحة وتأهيل المغرر بهم وكذا مؤسسات الدولة الأخرى أن تعود إلى جذور المشكلة فكرياً، لا أن تعالجها من حيث هي. على الوزارة أن تستعين بالكتّاب والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع لصوغ استراتيجية واضحة، ليس لتأهيل المغرر بهم فحسب، بل لإعادة صياغة وهيكلة المجتمع السعودي وفق المتغيرات التي طرأت عليه في العقود الأربعة الأخيرة.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1240


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


ميسر الشمري
ميسر الشمري

تقييم
1.01/10 (33 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com