الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

07-22-2011 07:05

راشد الغنوشي والإسلام الليبرالي
منور مليتي - ميدل ايست أونلاين


فرضيتان لا ثالثة لهما على الإطلاق: إما أن الشيخ راشد الغنوشي قد شهد تحولا جذريا في مقاربته الدينية السياسية بعد سنوات طوال في منفاه بلندن بلد الديمقراطية والثقافة السياسية العريقة في الانفتاح والعقلانية، وإما أن الشيخ يدير نشاط الحركة في المجتمع التونسي بقدر عال من الذكاء بعد أن تأكدت الحركة طوال السنوات الماضية أن التونسيين لم ولن يقبلوا بالتعصب الديني ولم لن يصغوا لمن يقدم نفسه على أنه الحامل الوحيد للحقيقة الدينية والسياسية.

فقد نقلت صحيفة "تايمز" البريطانية الجمعة عن الشيخ راشد أنه "إذا تولت النهضة السلطة في تونس فإنها لن تمنع الخمور أو النساء من ارتداء البكيني في الشواطئ" وأنه "يسعى لجعل تونس بلدا منفتحا على كل الدول لجذب السياح".

وبقدر ما تحمل تصريحات الشيخ راشد رسائل الارتياح بخصوص تعاطي النهضة مع الشأن الوطني فإنها تطرح أكثر من إشكالية.

مصدر الارتياح هو أن الشيخ راشد فصل بين العقيدة الدينية والعمل السياسي والأهم من ذلك أنه فصل بين عقيدة النهضة التي تمثل مرجعيتها الدينية والفقهية والفكرية وبين شروط الممارسة السياسية في مجتمع متفتح لا مكان فيه لتحويل العقيدة إلى سياسة والسياسة إلى عقيدة.

وإذا سلمنا بفرضية التحول الجذري في فكر الشيخ راشد يمكن القول أن النهضة التي وجدت نفسها وحيدة في مواجهة نظام بن علي بعد أن خذلتها النخبة تماما كما خذلها المجتمع راجعت مرجعياتها وطريقة تعاطيها مع الشأن الوطني لتقدم نفسها على أنها حركة سياسية مدنية ذات مرجعية إسلامية وهو برأينا تحول نوعي من شأنه أن يعزز حظوظ الحركة في مجتمع يضج بالتيارات اليسارية والقومية كما يضج بنخب تحمل فكرا حداثيا يتناقض تماما مع فكر النهضة ولا يتردد في وصفها بـ "الرجعية".

وربما انتبه الشيخ راشد أن مشروع النهضة الإسلامي في الثمانينات وفي التسعينات من القرن الماضي الذي لا يكتفي بالمشاركة السياسية في دولة مدنية وإنما قدم نفسه كمشروع يرفض كل شيء ويريد كل شيء هو الذي دفع بقطاعات وفئات واسعة من المجتمع التونسي إلى الخوف نزعتها للهيمنة على الدولة والمجتمع ومن ثمة تخلى عنها المجتمع لتشعر بأنها خذلت حتى من قبل الفئات التي تحسب أنها متعاطفة معها.

وبمعنى آخر فقد فشلت حركة النهضة طيلة تلك الفترة من نسج علاقات ثقة بينها بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وكانت الأحزاب السياسية والأطراف الاجتماعية تعيش خوفا حقيقيا من حركة النهضة وخطابها الجديد على مجتمع مسالم يرفض الشحن والعنف، بل حفرت هوة سحيقة بينها وبين أولئك الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وخاصة الأحزاب السياسية الحداثية والإتحاد العام التونسي للشغل لتجد نفسها منبوذة من مجتمع تأسست من أجل تبني مشاكله ومشاغله وهو ما سهل لنظام بن علي البطش والفتك بها وتفكيك تنظيمها.

لكن تصريحات الشيخ راشد تثير أكثر من إشكال ممزوج بأكثر من سؤال حول مدى صدقية تصريحاته التي تجيز المحرمات في مجتمع مسلم وهو ما يسمح بفرضية ثانية تحيلنا إلى أن زعيم الحركة الذي تمرس بالعمل السياسي وعاش تجارب الإسلاميين في البلدان العربية يتسلح اليوم بذكاء كبار السياسيين، وذكاء كبار السياسيين لا يرى في العمل السياسي سوى "فن إدارة الممكن"، والممكن اليوم في تونس يتمثل في مقاربة جديدة تفصل فصلا قطعيا بين الشأن الديني الذي هو شأن ذاتي يربط المؤمن بخالقه وبين الشأن العام أو الشأن السياسي الذي هو شأن دنيوي نسبي متعدد ومختلف يرفض تحويل السياسة إلى عقيدة وبالتالي يرفض استبداد أي فكر أو أيديولوجيا أو حزب.

وإذا صحت هذه الفرضية فقد تزعم الشيخ راشد تحولا تاريخيا في مسار حركة النهضة باتجاه تحويل وجهة الحركة إلى تيار إسلامي ليبرالي على طريقة حزب العدالة في تركيا.

بالتأكيد تطرح تصريحات زعيم النهضة إشكاليات فقهية جوهرية بالنسبة للإسلاميين، ونرجو ألا تكون التصريحات مادة استهلاكية ومسكنات موجهة للغرب وللقوى الحداثية في المجتمع التونسي لأنه في مثل هذه الحال ستكون النهضة أول الخاسرين وستجد نفسها وحيدة خلال عملية الانتقال الديمقراطي التي تعيشها تونس حتى وإن كانت هي الفائزة لأنها ستتحول إلى قوة استبدادية تبدد تطلعات التونسيين إلى الحرية.

لا شك أن هناك جيل نهضوي جديد نشأ خلال العشريتين الماضيتين، جيل أكثر انفتاحا وتسامحا مستفيدا من تجربة ومحنة المؤسسين للحركة، جيل نهل من معين خصوصية الفكر السياسي الوطني أكثر مما نهل من فكر الحركات الإسلامية الأخرى التي تلفظها خصوصية المجتمع التونسي.

نقول هذا ونحن نعلم أن مناضلي حركة النهضة في الثمانينات وفي التسعينات نهلوا من مقاربات مفكرين غير تونسيين مثل سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وحسن البناء وجمال الدين الأفغاني وغيرهم أكثر مما نهلوا من اجتهادات المفكرين والمصلحين التونسيين مثل خيرالدين التونسي وسالم بوحاجب وبيرم الخامس ومحمد قبادو وأحمد ابن أبي الضياف والطاهر الحداد والشيخ عبدالعزيز الثعالبي والطاهر بن عاشور.

وما لم ينتبه له مؤسسو حركة الاتجاه الإسلامي أن المرجعية الدينية والفكرية التي استندت إليها في تلك الفترة انتهت بهم إلى حالة من الاغتراب عن الثقافة السياسية الوطنية وزجت بهم في خطاب معياري افتراضي ممزوج بنوع من الاستخفاف بالموروث الإصلاحي الوطني.

واليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاما على تأسيس الحركة وما رافقها من تجارب يبدو مؤسسو النهضة وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي آباء يقودون شبابا يفترض أن يكون أكثر تجذرا في الوعي الوطني الجماعي، شباب أكثر واقعية وبراغماتية بعيدا عن الإسقاطات المستوردة من حقبات مختلفة من التاريخ الإسلامي.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 913


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


منور مليتي
منور مليتي

تقييم
1.29/10 (7 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com