الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

05-31-2010 04:58

تمويل الإرهاب بين الفتوى والقانون
د. ناصر بن راجح الشهراني - الدين والسياسة


لماذا الآن؟ سؤال وجه إلي عندما كنت ضيفا على برنامج ''من الإخبارية'' في قناة ''الإخبارية'', للتعليق على قرار هيئة كبار العلماء, الذي صدر أخيرا بشأن تمويل الإرهاب، وأجبت: لماذا لا يكون الآن؟ وقلت إن القرار لا ينشئ حكما جديدا بشأن تجريم تمويل الإرهاب؛ فتمويل الإرهاب والعمليات الإرهابية والمنظمات الإرهابية مجرم وفق المادة 2/د من نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/39 وتاريخ 25/6/1424هـ. أي أن تمويل الإرهاب مجرم من الناحية القانونية قبل صدور قرار هيئة كبار العلماء، ويجب ألا ينظر إلى قرار هيئة كبار العلماء باعتباره نصا للتجريم، وإنما باعتباره تأكيدا وبيانا فقهيا لهذا السلوك. كما ورد في مقدمة القرار أن دراسة الموضوع جاءت بناء على كتاب وجهه خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله – إلى هيئة كبار العلماء بهذا الشأن، وأجابت الهيئة بقرارها المنشور.

نص التجريم والعقاب هو أداة المواجهة القانونية لكل الجرائم، وليس لدينا فراغ في هذا الجانب المتعلق بتمويل الإرهاب عطفا على ما ورد في نظام مكافحة غسل الأموال. لكن هل المواجهة تنحصر في النص القانوني؟ أعتقد أن هناك من لا يردعه النص القانوني ويحتاج ربما إلى الرأي الفقهي للتصدي لشبهة فكرية تسيطر عليه، وقد تحمله ''شبهاته'' على تصرفات موجبة للعقاب. وفي المقابل؛ فإن هناك من لا يزيده بيان الحق إلا إصرارا على غيه؛ بل قد يجد لدى آخرين آراءً وأقوالا تؤكد توجهاته ورغباته. في الحالتين؛ القرار يمثل إطارا شرعيا للمواجهة الفكرية لجرائم الإرهاب. علاقة الفتوى بالنص القانوني علاقة وطيدة، وقد لا تكون مفهومة لدى الآخرين على نحو ما نفهمه نحن في المملكة. لذا؛ فإن تناول الفتوى في سياق قانوني أو قضائي قد لا يكون إيجابيا في كل الأحوال؛ لأن الفتوى، في نظري، ربما تكون مرجعا للنص النظامي عند وضعه فيما يتعلق بالتجريم والعقاب، لكنها لا تحل محل النص النظامي في ذلك. كما أن حمل الفتوى وتدبرها فكريا خير من وضعها في أي إطار آخر. بل إن الناس لا يعذرون بجهلهم بالنص القانوني، في حين لا يلزمهم العلم بالفتوى.

ثنائية تناول النص القانوني والفتوى لموضوع واحد أمر وارد، لكن حدود هذا التناول وأبعاده متباينة وإن اشتركت أو تطابقت رؤيتيهما؛ فتمويل الإرهاب محرم شرعا وفق الفتوى، لكن يزيد النص النظامي بالتجريم والعقاب؛ إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. والنص النظامي ربما ينطلق من الفتوى، ومثال ذلك النص على عقوبة قتل مهرب المخدرات في نظام مكافحة المخدرات (1426هـ)؛ إذ سبقه بسنوات قرار هيئة كبار العلماء باعتبار ذلك من الإفساد في الأرض.

إذن؛ فالاحتفاء بقرار هيئة كبار العلماء المتعلق بتمويل الإرهاب هو احتفاء فكري يأتي في إطار مكافحة الإرهاب فكريا، وقطع دابر الشبهات والظنون. وهو أيضا يكمل منظومة قرارات هيئة كبار العلماء في بيان الرأي الشرعي لهذه الجريمة الخطيرة. إلا أن المبالغة في ذلك؛ قد توحي للآخرين، خطأً، بأن هذا الرأي ينشئ أحكاما قانونية جديدة بشأن هذه الجريمة، في حين أن القرار يؤصل لتحريم وتجريم هذا السلوك من الناحية الشرعية.


* نقلاً عن: جريدة الاقتصادية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 800


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


د. ناصر بن راجح الشهران
د. ناصر بن راجح الشهران

تقييم
5.50/10 (4 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com