الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
"انغلاق العقل المسلم"..رؤية غربية تنقصها المعرفة
قراءة في كتاب الباحث الأمريكي روبرت رايلي "انغلاق العقل المسلم"/ أحمد بركات
01-04-2011 02:51
الدين والسياسة:
قبل ثمانية أعوام أصدرت جامعة أكسفورد كتاباً بعنوان "ما الخطأ الذي حدث؟" للمستشرق والمؤرخ الأمريكي برنارد لويس. الكتاب كان بمثابة تأريخٍ لانهيار العالم الإسلامي المزعوم على كافة الأصعدة، وعُدَّ من بين الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة الأمريكية حينها.
حتى أن البابا بينديكت السادس عشر استشهد بالفكرة التي ينبني عليها الكتاب عن انهيار العالم الإسلامي في الخطاب - المثير للجدل - الذي ألقاه في سبتمبر 2006 بجامعة ريجنسبورغ.

وفي مايو الماضي صدرت الطبعة الأولى من كتاب "انغلاق العقل المسلم: كيف سبب انتحار العقل أزمة الإسلام الحديثة" The Closing of the Muslim Mind : How Intellectual "Suicide created the Modern Islamist Crisis ، عن مركز دراسات "انتركولجيت"، لكاتبه المفكر الأمريكي "روبرت رايلي" Robert R. Reilly، المدير السابق لإذاعة صوت أمريكا، والباحث الأول بمجلس السياسة الخارجية الأمريكية، ليمثل الحلقة الفلسفية المعنية بالأسباب، بعد الحلقتين التأريخية والثيولوجية المشار إليهما سلفا في كتاب برنارد لويس.

شَرك المتناقضات

يقول الكاتب روبرت رايلي:"برغم ما حققته الحركة الإسلامية من نجاحات على كافة المستويات السياسية والشعبوية والاقتصادية، إلا أن الحركة تعاني من تناقض كبير ليس على مستوى الأجندة الحركية فحسب، ولكن على مستوى الأيديولوجية التي تنطلق منها. فهي تسعى كحركة دينية أصولية وحركة راديكالية سياسية إلى الإطاحة بالفكر الحداثي الغربي واستبداله بطرح ديني يتسم بالشمولية والإقصائية من حيث استبعاده لكافة النسق القيمية سواء كانت علمانية أو تنتمي لديانات أخرى".

ويرى روبرت رايلي أنه في الوقت الذي تسعى فيه الحركة الإسلامية لاستخدام المنجزات العلمية والتكنولوجية الحديثة لتحقيق أهدافها، ترفض بشدة الأطر الفلسفية الحداثية التي أنتجت هذه الأدوات، وتتمسك بأفكار تنتمي لأيديولوجية قديمة عفا عليها الزمن؛ وهي في ذلك تسير على هدي لينين الذي وصف النظام البلشفي بقوله : "الشيوعية تساوي الشعب السوفييتي مضافا إليه الكهرباء"، بما يعني إمكانية الفصل بين منجزات العلم والتكنولوجيا من جانب وبين السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للحضارة الغربية التي أبدعته من الجانب الآخر.

فالحركة الإسلامية وفق استنتاج الكاتب تعتقد إمكانية أخذ الديناميكيات العقلانية والاقتصادية المتجذرة في المجتمعات الليبرالية والنظم الديمقراطية لتطبيقها في مجتمعات ثيوقراطية ونظم استبدادية دينية.

ويفسر الكاتب ما آل إليه واقع المسلمين اليوم بأنه نتيجة تعاملهم مع قضاياهم الكبرى - مثل أزمة الهوية والدونية الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها - بعقلية تجافي الواقع، والارتداد الزمني عبر ثلاثة عشر قرناً خلت، حيث العصر الذهبي في التاريخ الإسلامي، ومحاولتهم - كما يقول - بعثه من جديد بإنشاء نموذج الدولة الثيوقراطية على غرار دولة الإسلام الأولى، بل وعولمة هذا النموذج.

فالإسلاميون، كما أشار المفكر الفرنسي أوليفر روي في كتابه "فشل الإسلام السياسي" (1994) يتبنون أجندة أصولية ثيوقراطية لتحقيق حلم التقارب والاندماج مع العالم المتقدم الذي يشعرون تجاهه بالاغتراب. وبعبارة لينين فإن الإسلاموية، طبقا لهذا الطرح تساوي "الشريعة مضافا إليها الكهرباء."

دراما عقلانية

ويؤكد "رايلي" منذ الصفحة الأولى أن "هذا الكتاب يروي واحدة من أعظم قصص الدراما العقلانية في التاريخ البشري"، والتي بدأت منذ القرن التاسع الميلادي. فقد تعانق الإسلام في بداياته مع التوجهات العقلانية والعلمية التي خلفتها الحضارة الهيلينية (الإغريقية القديمة)، حتى أصبح الوريث الشرعي لهذه الحضارة. ولكنه لم يلبث أن استبدل هذا الإرث الفكري بتصورات بدائية تقوم على الثيولوجيا اللاعقلانية التي قوضت الفكر الإسلامي وحالت بينه وبين ولوج عصور العلم والتكنولوجيا، والتخلف عن ركب الديمقراطية والنمو الاقتصادي حتى يومنا هذا.

ويؤرخ رايلي لهذا التحول - أو هذا الانعزال عن الصراط الحضاري - بالصراع الذي دارت رحاه قبل ألفية كاملة بين المعتزلة والأشاعرة؛ حيث مثلت كل منهما لفلسفة دينية لا تختلف فقط في رؤيتها للفكر الهيليني (العقلاني .. نسبة للحضارة الهيلينية أو اليونانية القديمة) وقيمته ودوره الحضاري، بل في تصورها لحقيقة الله ولجوهر الألوهية كما عبر عنها القرآن.

فبينما مثلت العدالة والعقلانية جوهر الألوهية عند المعتزلة، أطر الأشعريون لهذه الألوهية بطلاقة المشيئة ولا محدودية القدرة. وبدأ الجدل حول مكانة العقل بالنسبة للوحي، وتفرع عن ذلك أسئلة كثيرة من شاكلة: هل ثمة علاقة بين العقل والوحي؟ وهل يمكن إعمال العقل في الوحي؟ أم أن الوحي حمىً محرم لا ينبغي للعقل أن يطأه؟ وهل - ولعل هذه هي القضية الأهم - يمتلك العقل الإنساني القدرة على الوصول إلى الحقيقة، أم أن الحقيقة مقدسة ومصدرها الوحي؟

ويرى الكاتب أنه في البداية انتصرت العقلانية المعتزلية، إلا أن دفة الفكر الإسلامي لم تلبث أن تحولت شطر اللاعقلانية الأشعرية وما أودت إليه من نتائج، ورأى أن الإسلام واجه الفكر الإغريقي إبان فتوحاته للأقاليم البيزنطية والساسانية عن طريق الأعمال التي ترجمها علماء مسيحيون في الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية والطب والهندسة والرياضيات والكيمياء والفلك.
ووجد علماء المسلمين أنفسهم مضطرين للتماهي مع هذا الفكر، والدخول في جدالات فلسفية لدعم عقيدتهم.

جدل العقل والوحي

يقول رايلي: "دخل الخطاب الإسلامي في نهاية القرن الثامن وبداية التاسع مرحلة جديدة تغيرت فيها ملامحه النظرية والفقهية التي سيطرت عليه قبل هذا التاريخ؛ وظهرت في اللغة العربية كلمات جديدة لاستيعاب التصورات الإغريقية؛ وفتحت الفلسفة طريق البحث والتحليل على مصراعيه أمام العقل الإسلامي كما لم ينفتح من قبل ...".


وفي هذه المرحلة برز المعتزلة كأبطال للفلسفة الهيلينية؛ وكرموز للمذهب العقلاني بكل ما يقتضيه هذا من تصورات لطبيعة الله والكون ومكان ومكانة الإنسان، لا سيما فيما يتعلق بقدرة العقل الإنساني على معرفة الحقيقة وسبر أغوار الكون؛ فنافح المعتزلة عن إرادة الإنسان كإرادة حرة ومستقلة بذاتها، وتأبوا على ثقافة الانتظار ومنطق اللافعل؛ ومن ثم كانت لهم آراؤهم الثورية في عقيدة القضاء والقدر؛ وأن المعتزلة أكدوا على حرية العقل في العمل في تفسير وتأويل الوحي، وأن القرآن مخلوق. وصادفت هذه الآراء هوى لدى العباسيين الذين جاؤوا للحكم عام 750، وحدث تزاوج بين الفكر الديني والبراغماتية السياسية حيث دعم خلفاء بني العباس الفكر المعتزلي لأن تصوراتهم الفلسفية حملت معها تمديدا لسلطة الخليفة على حساب "رجال الدين".

ويذهب إلى أن المعتزلة أرسوا قواعد أول مدرسة إسلامية متطورة، تلك المدرسة التي لم تجد غضاضة في إقامة نقاشات علمية مع علماء الدين المسيحيين حول القضايا النسبية وقضايا الاهتمام المشترك؛ غير أن هذا التحول لم يدم طويلا، حيث تبعه تحول آخر، أو ردة فكرية، في منتصف القرن التاسع عندما جذر الأشاعرة أنفسهم وآراءهم في الله والقرآن والكون والإنسان في الفضاء الإسلامي السني.

وكان أهم التحولات - حسب رأيه - تصور الألوهية التي أصبحت لا تمثل غير المشيئة المطلقة التي لا تخضع لتأطيرات العقلانية وضوابط القانون الطبيعي المادي؛ إلا أن رايلي يؤطر لهذه الآراء سياسيا حيث كانت دوافع الأشاعرة انتقامية في المقام الأول، وأصبح "التمسك بآراء المعتزلة جريمة تصل عقوبتها إلى الموت، وأقصي المعتزلة عن المحاكم، وطردوا من كافة المناصب الحكومية الهامة، وتم التخلص من أغلب إنتاجهم الفكري." ومع نهاية القرن التاسع منع التجار والناسخون من تداول الكتابات الثيولوجية والفلسفية والنقاشات الديالكتيكية الخاصة بالمعتزلة.

وهكذا باءت بالفشل - حسب رأيه - أهم المحاولات لجدل العقل بالوحي في التاريخ الإسلامي، وتطورت ثقافة العنف عبر الزمن، حتى أن الأشاعرة يبدون معتدلين إذا ما قورنوا بالحنابلة والوهابيين الذين يشكلون تيارا سياديا في بعض البلدان الإسلامية، وسائر التنظيمات والجماعات الإسلامية التي تحصل على دعم مالي سخي عبر العالم.

العلم والتكنولوجيا

يذهب الكتاب إلى أن الفكر الإسلامي المعاصر يعد الوريث الشرعي للانتصار الأشعري اللاعقلاني في النصف الثاني من القرن التاسع، ومن ثم ارتبط بقوة برفض أهم تضمينات العلم الحديث والتكنولوجيا المتطورة التي تؤكد أن العالم والكون ممالك عقلانية تحكمها القوانين المادية، فالإسلام، بدلا من ذلك، يرفض سيادة العلم ويخضعه تماما للدين.

ويستشهد رايلي على ذلك بكلام أبو حامد الغزالي بأن "العلم الوارد بالقرآن هو العلم بأكمله"، ويمتد هذا المبدأ ليغطي جميع مجالات المعرفة حتى أنه عند فتح بلاد فارس أمر الخليفة ـ بحسب ما ينقل رايلي عن ابن خلدون ـ بحرق جميع الكتب والأبحاث العلمية بحجة أنه "إذا كان ما تحتويه هذه الكتب هداية، فقد هدانا الله لما هو خير منها، وإذا كان غير ذلك، فقد كفاناها الله". ويسوق رايلي دليلا آخر في السياق المشكوك بصحته بحرق مكتبة الإسكندرية بحجة أن هذه الكتب "إما أنها تحتوي على ما ورد بالقرآن، أو على شيء آخر، وفي كلتا الحالتين هي غير لازمة". وتوقع أن تستمر العراقيل والقيود أمام حركة الترجمة والتأليف في العالم الإسلامي.

ويتجاوز الإسلام ـ بحسب رايلي ـ رفضه للعلم والتكنولوجيا، على اعتبارهما متضمنين في الدين والثيولوجيا، إلى إنكار وجود القوانين الطبيعية المادية جملة واحدة لأنها تحد من طلاقة المشيئة الإلهية، وبنفس المعنى لا يوجد نظام عقلاني ينبغي على الله اتباعه؛ وتنفي الثيولوجيا الإسلامية علاقات السببية القائمة على المقدمات والنتائج والعلة والمعلول ليحل محلها الفلسفة التوافقية بحيث ترد كل شاردة وواردة إلى المشيئة الإلهية في سياق زمني بعينه، كما سيأتي تفصيله؛ فالخلق ـ كما يؤكد رايلي ـ "ليس مجبولا على العقل، ومن ثم لا يمكنه أن يعكس ما ليس موجودا فيه. وهكذا فلا يوجد في الكون نظام عقلاني أو قانون مادي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان ...".

ويستشهد رايلي بالمؤرخ المعاصر ألبرت حوراني - وهو مؤرخ كاثوليكي إنجليزي من أصول لبنانية - الذي يؤكد أن العرب يميلون إلى "معاينة الأحداث في ذاتها؛ باعتبارها توافقية لا باعتبارها جزءاً من منظومة العلة والمعلول"؛ ومن ثم، "ليس من الإسلام في شيء أن تقول إن الماء ينتج عن اتحاد الهيدروجين مع الأكسجين، ولكن عندما تضع الهيدروجين مع الأكسجين تقوم المشيئة الإلهية بخلق الماء."

وينطبق المذهب التوافقي - حسب رأي الكتاب - على جميع مناحي الحياة، ولذلك يرفض حزب التحرير، على سبيل المثال، كافة أنظمة الحماية من شاكلة حزام الأمان ونظم التأمين المختلفة، بل واعتبرها نوعاً من العبث أمام المشيئة الإلهية النافذة.
وهكذا فإن الإنسان، بموجب العقيدة الإسلامية - كما يفهمها رايلي - لا يعيش في كون يحكمه نظام عقلاني أو قوانين علمية منضبطة، ولكن في مملكة تخضع خضوعا تاما للميتافيزيقيا المتمثلة في المشيئة الإلهية.

المسلمون والحداثة

وبعد البحث المستفيض في الجذور التاريخية للاعقلانية الإسلامية، يتجه رايلي إلى الحاضر ليتحدث بنفس الاستفاضة عما خلفه هذا التوجه الماورائي من عواقب؛ حيث يورد الكاتب تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2003 عن التنمية البشرية في العالم العربي، والذي "أعده مفكرون عرب" ويؤكد التقرير أن هذه القناعات العقلية التي عفا عليها الزمن قد تسببت في "زيادة مشكلات المعرفة الأساسية" بما في ذلك "نقص الرؤية العلمية، وعدم الاكتراث بالحقيقة أحيانا". كذلك يؤكد التقرير أن الوعي العربي قد " وقع أسير القوى الخارقة للطبيعة، مما أدى إلى غيابه"، إضافة إلى إهمال الأسس العلمية والعقلية للفكر المعاصر.

ويشير رايلي في هذا السياق إلى ما أبداه مفتي المملكة العربية السعودية في الفترة من 1993 إلى 1999 من رفض كامل لفكرة دوران الأرض حول الشمس، وأن "القائلين بكروية الأرض ودورانها حول الشمس مرتدون ومارقون عن العقيدة".

هذا التوجه اللاعقلاني- حسب رأيه - نحو المعرفة هو المسؤول عن محدودية الإنتاج العلمي للدول الإسلامية، هذه المحدودية تعبر عنها المقاييس الرقمية لأعداد الأبحات العلمية التي نشرتها كبريات المجلات الأكاديمية العالمية وبراءات الاختراع المسجلة، والأموال التي تنفق على البحث العلمي وإعداد العلماء والمتدربين على الوسائل التقنية، والتي تفصلها هوة سحيقة عن المقاييس الرقمية المسجلة بالدول الغربية وغيرها من المجتمعات الصناعية والدول المتقدمة.
فبين عامي 1980 و 2000 سجلت كوريا الجنوبية وحدها 16328 براءة اختراع، بينما بلغ مجموع ما سجلته تسع دول شرق أوسطية مجتمعة 370 براءة اختراع فقط خلال الفترة ذاتها، حمل أغلبها أسماء أجنبية حاصلة على الجنسية.

كذلك يفوق إنتاج إسبانيا والهند من المطبوعات العلمية العالمية ما تنتجه ست وأربعون دولة إسلامية مجتمعة. أما في مجال الترجمة، فيزيد إنتاج اليونان وحدها في العام الواحد عن خمسة أضعاف إنتاج العالم الإسلامي بأسره عن نفس المدة. ويساوي عدد ما ترجمته إسبانيا من كتب في عام واحد ما ترجمته الدول العربية مجتمعة في ألفية كاملة.

ويلاحظ رايلي في تقرير آخر للأمم المتحدة أن الدول الوحيدة التي تتخلف عن الدول العربية في قائمة الإنتاج العلمي العالمي هي دول جنوب الصحراء الإفريقية التي تكابد ويلات المجاعة، وعدم الاستقرار الأمني، ولا تمتلك معشار ما يمتلكه العرب من عائدات مالية.

ولا يكتفي رايلي بالتقارير الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي أعدها مفكرون عرب - كما يحب أن يؤكد دائما - بل يستدل بآراء بعضهم، مثل علي علاوي، وزير المالية والدفاع السابق بحكومة العراق، والذي يؤكد أن "المخرجات الإبداعية لعشرين أو ثلاثين مليون مسلم في العصر العباسي يفوق بمراحل المخرج الإبداعي لقرابة واحد ونصف بليون مسلم في العصر الحديث".
كذلك يشير رايلي من خلال المفكر الفرنسي التونسي عبد الوهاب مؤدب إلى أن الوضعية الدونية للعلم في الإسلام جعلته، بمقاييس الانجازات البشرية، في مكانة يرثى لها بين سائر الحضارات، وإذا لم يجد الإسلام طريقا نحو التغيير، فإنه سوف ينضم لقافلة الحضارات الكبرى البائدة.
ويضيف رايلي أن العقد الأخير على الأقل يحمل دلالات على التهاوي الإسلامي تحت إمرة الإسلاميين المسلحين الذين يشكلون تيارا سياديا في المجتمعات الإسلامية ويمسكون بمقود الخطاب الإسلامي العام.

الإسلام المعاصر

إن التأطير ما قبل العلمي، أو المناهض للعلمية، الذي يمثله الفكر الإسلامي،-حسب الكاتب- يعبر عن نفسه سياسيا في المرحلة الآنية من خلال أشكال مختلفة من الإسلاموية تشكل في مجملها تحديا خطيرا لكافة النظم الحضارية في قرن كان فيه ما فيه من الأيديولوجيات العنصرية المتطرفة، وعلى رأسها النازية والفاشية و الشيوعية (التي أثرت كثيرا في الحركات الإسلامية كما يؤكد رايلي). وجاء الإسلام في موقعه الراهن والمأزوم على الخارطة الحضارية العالمية عبر أربع مراحل تاريخية يقسمها رايلي كالتالي : حقبة الخلافة الإسلامية، وتمتد من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر الميلادي. ثم الحقبة العثمانية (1543 ـ 1918)، فالحقبة القومية من 1918 حتى 1991، وأخيرا ما بعد القومية (يمكن تسميتها بالإسلاموية)، والتي تمتد من 1991 حتى الآن.

وإذا كانت الحقبتان الأوليان قد شهدتا تمددا واسعا لرقعة العالم الإسلامي، فإن القرنين الأخيرين قد حملا نذر التراجع والانهيار.
ففي المرحلة قبل الأخيرة (القومية) نزع العالم الإسلامي - لاسيما الدول العربية - إلى تبني أيديولوجيات عديدة مثل الحداثة والعلمانية والاشتراكية والقومية الوطنية والقومية العربية والإسلاموية وسياسات التعاون الإقليمي وعدم الانحياز ومناهضة الصهيونية ومناهضة الإمبريالية، إلا أنه لم يتمكن عبر هذه الأجندات كافة، من تحقيق نجاحات ذات دلالة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية، أوحتى الاجتماعية.

ومع هزيمة العرب في حرب 1967، شهد الثلث الأخير من القرن المنصرم تأججا صراعيا ليس على الصعيد العربي الإسرائيلي فحسب، ولكن أيضا على الصعيد العربي الداخلي ضد الأيديولوجيات الغربية التي حملتها الشعوب العربية مسؤوليات النكوص وأوزار الانهيار. وأسفرت مشاعر الإحباط ومرارة الهزيمة عن حركة إسلامية راديكالية تنبش في تربة التاريخ البعيد بحثاً عن دولة خلافة إسلامية تضمد جراحات الحاضر، وتعيد توطيد الإسلام كدين وحضارة عالمية.

وفي ضوء هذا المسار التاريخي، جاء القرن العشرون للإسلام بخيارين لا ثالث لهما؛ إما الاعتراف بتجاوز الزمن للفكر الإسلامي، ومن ثم "حاجته إلى التحديث، والأخذ عن الغرب لإصلاح إرثه الفكري ثم تطوير نفسه"، أو تجاوز واقعية الأزمة وربطها بالتأطيرات الثيولوجية الماضوية، والنظر إليها باعتبارها "ابتلاء وتمحيص بسبب بعد المسلمين عن المنهج الإلهي، وتنكب صراطه المستقيم".

إلا أن ثمة تقاطع وقع بين الخيارين، حيث تبنى الأول عدد من المفكرين البارزين وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، غير أن مجهودات هذا التيار باءت بالفشل نتيجة التزاماته الدوغمائية و تقيّده بالنص خوفا من مغبة الانفتاح الفكري.

ويمضي رايلي أبعد من ذلك ليؤكد أن هذا التيار (الذي كان من المفترض أن يكون إصلاحيا، بحد تعبيره) هو الذي وضع الأساس للإسلاموية الراهنة بسبب نكوصه الفكري وتمسكه بأدبيات لاعقلانية عفا عنها الزمن فامتدت السلسلة الإسلاموية من "جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا إلى حسن البنا إلى سيد قطب إلى أسامة بن لادن إلى أيمن الظواهري".

ويرى الكاتب أن هذا التقاطع الأيديولوجي المعقد بين العقيدة الدينية وكراهية الغرب والأصولية النقلية والعنف السياسي، هو ما يفسر الصعوبة التي يجدها العديد من الخبراء والمحللين في تجاوز فكرة أن "الإرهاب الإسلامي" ما هو إلا ردة فعل للاضطهاد السياسي والتراجع الاقتصادي، والوصول إلى عمق الأيديولوجية الجهادية في الإسلام.
ويؤكد رايلي على ذلك بما لاحظه مفوض شرطة مومباي في أحداث 2008 من أن القائمين بالهجوم يعتقدون أنهم يقومون بمهمة مقدسة، وأن تنفيذ هذه الأعمال من شأنه أن "يجلب ثوابا إلهيا وسعادة لا يجدها غيرهم من المؤمنين لأنهم نفذوا أعمال قتل جماعية باسم الله."

فالكراهية - حسب رأيه - تشكل ملمحا أصيلا في الخطاب الإسلاموي؛ ويستدل الكاتب في هذا السياق عبر مساحة غير قليلة من كتابه بخطابات أسامة بن لادن وغيره من الأيديولوجيين الإسلاميين، والتي تمثل تعبيرا صارخا عن هذا المعنى؛ إلا أنه لا يقف عند هذا الحد، بل يعود ليؤكد أن الكراهية في جوهرها ملمح أصيل وهيكلي في الخطاب الإسلامي ككل، فهذا "ما أصّل له المسلمون قبل ألف عام خلت، عندما اختاروا الفكر الأشعري الذي لا تزال تجلياته وإفرازاته تقض مضجع الحضارة العالمية حتى يومنا هذا."

وفي نهاية كتابه يضع رايلي التحدي سافرا في وجوه المسلمين: "إذا استمر طرح القرون الوسطى الإسلامي على إصراره في التأكيد على بدعية وضلال عالمية المعرفة، فإن مسلسل الانهيار سوف يستمر عبر القرن الحادي والعشرين، وستزداد الهوة سحقا بين المسلمين والحداثة". فالداء هو الجذور التاريخية، والعرض هو تخلف المسلمين، والدواء هو الثورة الحداثية والغربلة الحضارية التي أدركتها المسيحية واليهودية، وتجاوزها الإسلام.


(أحمد بركات - إسلام أون لاين)

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 2249


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.03/10 (35 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com