الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الحركات الإسلامية
الشيخ الغنوشي في حوار شامل ومطول يتحدث عن : دور الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية الدينية
الشيخ الغنوشي في حوار شامل ومطول يتحدث عن : دور الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية الدينية
02-01-2011 04:45
[size=5]الدين والسياسة:
أجرى موقع إسلام أون لاين حوارا مطولا مع زعيم حركة النهضة الإسلامية الشيخ راشد الغنوشي حلل فيه أسباب فشل النهضة العربية والإسلامية، راصدا الدور الذي لعبه الغرب في إعاقة النهضة. ولم ينس التوقف مطولا عند العامل الذاتي الذي لعب دورا كبيرا في هذه الإعاقة أيضا، كما تحدث أمين عام حزب النهضة التونسي المحظور عن أولويات المفكر الإسلامي في هذه المرحلة؛ مستعرضا أهم سمات الخطاب الإسلامي الواجب طرحه في مايسمى مرحلة العولمة.

وعرج المفكر الغنوشي على تجربة الحكم الإسلامي في كل من السودان وتركيا وإيران، مروراً بموقف الإسلام من العنف ومن التعددية والديمقراطية، ورأيه في الحوار مع الغرب ومع العلمانيين ومع أهل الكتاب، كما خصصنا جزءاً من هذا الحوار المطول للحديث عن واقع ونشوء الحركة الإسلامية في تونس، ودور الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية الدينية

وفيما يلي ينقل موقع (مركز الدين والسياسة للدراسات) نص الحوار الذي أرجراه الزميل وحيد تاجا:


الحلقة الأولى
أجرى الحوار : وحـيــد تاجا



* بداية، اذا حاولنا رسم خارطة تبين وضع العالم العربي والإسلامي اليوم.. كيف ترسم ملامحها؟

** بصراحة ما أراه جدل متواصل محتدم بين فريقين من المهمومين بتشخيص أمراض الأمة كالتجزئة، والفقر، واحتلال فلسطين، والأمية، وسائر مظاهر التخلف.
أحد الفريقين ما يفتأ يؤكد أن السبب هي القوى الخارجية المتربصة بنا والمصممة على عرقلة كل سبيل لنهوضنا تأبيداً لتخلفنا وضعفنا حتى يتيسر لها استمرارها في نهب ثرواتنا وفرض هيمنتها علينا والحؤول دون عودتنا إلى الساحة الدولية منافسين لها عبر امتلاكنا مجدداً لأدوات صنع مصيرنا، ومنها تجاوز حالة التشرذم التي فرضوها علينا بالحديد والنار منذ قرنين؛ حيث رجحت كفة الموازين الدولية لصالحهم، فوضعوا أيديهم على مصائرنا من خلال سيطرتهم على طرق تجارتنا وعلى سائر مواردنا، متخذينها كلأ مباحاً لنهبهم وتيسير رفاهيتهم، حائلين دون توظيفها لصالح نهضة أمتنا وإرساء نهضة علمية وصناعية تحسن اكتشاف ثرواتنا الطائلة، وتحسن توظيفها لاستئصال الفقر والمرض والأمية من حياتنا، ولتطوير أجهزتنا الدفاعية بما يضمن قدرتنا الردعية لكل عدوان على أرضنا، وإرساء أنظمة عادلة ديمقراطية تعبر عن إرادة شعوبنا ومصالحها وتقود الأمة نحو استكمال مشروعها النهضوي، بدءاً بأنظمة ديمقراطية قُطرية، وصولاً إلى اتحاد للأمة ديمقراطي

. وكل هذه المطالب تعتبر ضمن الاستراتيجية الغربية – حتى الآن- خطوطاً حمراء، تقديراً من واضعي السياسات الغربية منذ قرنين على الأقل أن تحقيق هذه المطالب يضر بمصالحهم في الهيمنة العالمية ويمثل عائقاً وعقبة كئوداً في طريقها.

* وكيف يمكننا ربط كل هذه الخيوط والإشارات ببعضها البعض ؟

بدأ التفكير منذ أولى غزوات الغرب الحديثة لأمتنا على يد نابليون في غرز خنجر في القلب من أمتنا في فلسطين؛ خنجر يقطع وحدتها الجغرافية ويستنزف مواردها، ثم جمعوا أساطيلهم لتفكيك أول مشروع نهضوي في النصف الأول من القرن التاسع عشر في مصر على يد القائد النهضوي محمد علي، وفعلوا الأمر ذاته مع كل المحاولات التوحيدية والنهضوية التي عرفتها الأمة بعد ذلك
.
كانت الأساطيل جاهزة للتصدي للجيش المصري فيما لو حاول التصدي لانفصال سورية على يد زمرة من الضباط المغرر بهم. كما أن الملك فيصل وقبله مصدّق في إيران لقيا المصير نفسه عندما تجرأا على التحكم في ثروة النفط. وتعرض المفاعل العراقي النووي للتدمير. وكان الكيان الصهيوني المزروع في القلب الأداة الغربية الجاهزة؛ وكلب الحراسة المسعور الذي يعد الحفاظ عليه وإمداده بكل مقوّمات البقاء واجباً؛ لا مجرّد البقاء فحسب؛ بل التفوق على البلاد العربية مجتمعة.

وما تتعرض له إيران اليوم من ضغوط رهيبة لمنعها من تجاوز خط من الخطوط الحمراء وامتلاك ناصية التقدم الصناعي المعاصر والتقنية النووية ليس إلا واحداً من شواهد كثيرة على وجود تلك الاستراتيجية الغربية الثابتة - حتى الآن - لعرقلة كل مسعى نهوض حقيقي في أمتنا؛ إن على جبهة توحدها أو على جبهة تقدمها الصناعي أو على جبهة تحولها الديمقراطي.
فكل باب ومجال للنهضة تقف في وجه أمتنا صوب ولوجه ترسانات من الأسلحة الرهيبة جاهزة للاستعمال، والمبررات أيضاً جاهزة؛ ومؤسسات القانون الدولي عادة لا تتخلف في إضفاء الشرعية القانونية الدولية وحتى الصبغة الإنسانية على مخططات العدوان والهيمنة، وحتى لو تخلفت كما حصل في غزو العراق تمضي الأساطيل عارية من كل غطاء للشرعية الدولية لا تبالي.

* أشرت في إحدى حواراتك الى وجود فريقين أو نظرتين لإعاقة مقومات النهوض في أمتنا؟

** ـ هذا صحيح، فهناك فريق يركز على العامل الخارجي ممثلاً في التفوق الغربي والاستراتيجية الثابتة في تعويق مقومات النهوض في أمتنا وهذا الفريق ينقسم طرحه إلى قسمين:

أ‌- لا يبرئ الذات من تبعة أوضاع المهانة والضعف التي تتلظى بها الأمة ولكنه يصر على أولوية العامل الخارجي سبباً رئيساً في استمرار هذه الأوضاع وإفشال كل محاولات النهوض.
ب‌- وهو وإن شمل الغرب على وجه التغليب بحكم واحد فإنما يعني القوى الرئيسية فيه وبالخصوص الولايات المتحدة حيث انضافت إلى الدعائم الاستراتيجية لهذه السياسة الغربية التقليدية المعادية لنهضة العرب والمسلمين أسس عقدية منحدرة إلى مراكز القرار من كنائس إنجيلية متعصبة تصاعد نفوذها - وبالخصوص في إدارة جورج بوش الثاني - الذي كان متأثرا برؤيتهم الدينية للصراع العربي - الإسرائيلي الذي أعطي أبعاداً دينية تتعلق بأساطير تتحدث عن معارك نهايات التاريخ وعودة المسيح عبر إعادة بناء هيكل مزعوم.

وهي الثغرة الأخرى التي دخلت منها مجموعات الضغط الصهيونية المتعصبة للتأثير الذي يكاد ينفرد بوضع السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، عبر عدد من المراكز القوية والمفكرين النافذين على رأسهم مسعر الحرب على العرب والمسلمين وملهم الإدارة الحالية المستشرق المشهور برنارد لويس وتلاميذه أمثال مارتن كرامر ودانيال بايبس وستيفن إمرسون وشارل بيرل وعدد من المتنفذين في البنتاغون أمثال بول وولفيتز ودوغلاس فايث الذين اختطفوا إلى حد بعيد السياسة الأمريكية وبالخصوص المتعلق منها بالشرق الأوسط وبالعرب والمسلمين.

غير أنه بحكم رسوخ التعدد في المجتمع الأمريكي فإن وجهة النظر الأخرى يبقى لها أنصار وربما يتزايدون بقدر فشل خيار الاستئصال كاشفين عن الأخطاء الفادحة بل الكوارث التي تسببت فيها لأمريكا هذه المدرسة السبتية وعلى رأسها غزو العراق والدعم اللامشروط للتطرف الليكودي في "إسرائيل" وكذا الدعم الأمريكي لأنظمة حكم فاسدة دكتاتورية بدل دعم التحول الديمقراطي، وهو ما شكل الأرضية المناسبة التي يتغذى منها التطرف والإرهاب؛ كل ذلك بحجة مقاومة الإرهاب وهو ما زاد الإرهاب انتشاراً والسياسة الأمريكية تورطاً وبالخصوص في العراق وفلسطين وأفغانستان؛ وهو ما نشر الكراهية للأمريكان على أوسع نطاق في العالم وبالخصوص في عالم الإسلام بل عمَّق الهوة بين عالم الإسلام؛ وعالم الغرب وعرض المؤسسات الدولية لخطر الشلل.

بينما السبيل الأقوم لدى أصحاب وجهة النظر الأخرى من المفكرين والاستراتيجيين الأمريكان لمقاومة الإرهاب إنما يكون بتضييق منافذه وأسبابه من خلال التشجيع على التحول الديمقراطي في دول العرب والمسلمين حتى ولو أتى ذلك بالتيار الإسلامي الوسطي وهو التيار الرئيسي في الحركة الإسلامية. ومن هؤلاء المفكرين البرفسور جون سبوزيتو وجون فول ولويس كانتوري ومارك قيرشيتس وريتشارد بولليات ونوح فيلدمان والباحثة شيري بيرنارد.

وعلى أهمية هذه الأصوات تبقى السياسة الأمريكية مختطفة لدى الفريق بالغ العداوة والكراهية للعرب والمسلمين، والمناصر لكل عدو لهم وبالخصوص الكيان الصهيوني؛ إلا أن براغماتية العقل الأمريكي ستدفعه غير بعيد إلى مراجعة هذه السياسة كلما ارتفعت تكاليف تنفيذها وتوالت خيباتها كما يحصل اليوم في العراق، وإلى أن يحدث ذلك فليس هناك غير الثبات والصبر.

* ـ وما هي نظرة أو رؤية الفريق الثاني ؟

** ـ الفريق الثاني لا يهمل دور الخارج في العرقلةوالتعويق؛ ولكنه يعتبر ذلك عاملاً ثانوياً بالقياس إلى العامل الرئيسي في تخلفنا وانحطاطنا وهو العامل الذاتي المتمثل أساساً في الإرث الفكري الثقافي وثقافة الخنوع والاستسلام للأقدار؛ والتهوين من شأن الفرد وحرياته وحقوقه ومسؤوليته على مصيره بما يؤول بشخصيته إلى الانحسار والذوبان كذرة متناهية الصغر في هذا الكون، أو قطرة متلاشية في محيط الأمة والجماعة، فيغدو راضياً بكل ما يعطى قابلاً لكل صورة مصفقاً لكل ناعق محتقراً لنفسه ضائقاً ذرعاً بمجرد ذكرها والشعور بها.

أما المرأة نصف المجتمع والتي بين أحضانها يتربى النصف الآخر فوضعها أشد تعاسة في مثل هذه المجتمعات؛ إن من جهة النظر إليها وحتى من جهة نظرها لنفسها.

ولقد تأسس هذا التصور على رؤية للحياة جملةً وللنشاط فيها والبناء والازدهار والاستمتاع الجسدي وللفن والجمال على أن كل ذلك رجس من عمل الشيطان ومن عوائق السعادة في الدار الآخرة ومن مغضبات الرب. ومن شأن كل ذلك أن يثمر حالة عامة من السكون والاستسلام للطبيعة والتحرك فيها للضرورة بأقل جهد، والاستسلام لما هو قائم من أوضاع اجتماعية مثل وضع التفاوت الظالم وأوضاع سياسية مثل وضع الاحتلال الخارجي أو الاحتلال الداخلي ممثلاً في الاستبداد وتأليه الحكام بتقدير كل ذلك جزءاً من نظام الكون الذي أراده الله !!.

وهكذا قاد هذا الإرث الفكري إلى الاستبداد.
والأصوب القول إن هناك علاقة متبادلة بين عقائد الجبر في الكلام وسيادة التقليد في الفقه وهيمنة التصوف والطريقة في التربية حيث يغدو الفناء هدف التربية، وسبيلُها أن يغدو المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله، علاقة تبادل بين تلك الثقافة بعناصرها تلك وبين نظام الاستبداد الذي حكم مراحل شاسعة من تاريخنا.

ويدفع هذا الفريق حجج الفريق الآخر بلفت الأنظار إلى أمم أخرى تعرضت للاحتلال ولمكايد السياسات الغربية ولكن ذلك لم يحل بينها وبين بناء نهضتها ومغالبة كيد أعدائها، مثل دول في أمريكة الجنوبية وأخرى في آسيا كاليابان والصين، بل إن بعضها تعرض لحروب مدمرة ساحقة، ثم من تحت الركام والأشلاء نهضت كالعملاق حتى نافست في التقدم أعداء الأمس، فلماذا يظل العرب وحدهم يلوكون قصة التفسير التآمري للتاريخ؟ ويتهربون بها من مواجهة الأسباب الحقيقية لتخلفهم واستمرار تموقعهم في ذيل الأمم !!؟.
* ـ وأين الحقيقة إذاً !؟

** ـ الحقيقة واضحة كوضوح الشمس، ففي صميم ثقافتهم وفكرهم ومعتقداتهم وأنظمتهم الجبرية يكمن داؤهم الذي لا دواء له من غير الوعي به ومواجهته بما يستحق من معالجات جذرية لنظامهم الفكري والقيمي، وهو ما حاول رجال الإصلاح الكبار فعله بدءاً بمقاومة عقائد الجبر المترسخة في جذور العقل العربي بالتأكيد على حرية الإنسان ومسؤوليته على أفعاله.

كما دعوا في مجال الفقه إلى فتح باب الاجتهاد وممارسته والتمييز الواضح بين النص المنزل قطعيِّ الدلالة وهو الملزم للمؤمن وبين ما تأصل في تاريخنا من اجتهادات مهما عظمت مكانة أصحابها لا تعدو بالنسبة لنا كونها حقلاً للتجربة يستفاد منه فيما يناسب عصرنا وحاجاتنا.

كما دعوا في مجال السياسة إلى مناهضة أنظمة الاستبداد والجبر التي حكمت تاريخنا وانتهت إلى إطفاء شعلة النهضة في أمتنا، وذلك بالدعوة إلى إحياء قيمة الشورى وضبطها بآليات النظام الديمقراطي بتقديره أقوم سبيل معاصر لتجسيد ذلك المبدأ العظيم واستئصال آفة الاستبداد وانفراد الفرد بالتقرير في مصير الجماعة بينما تؤكد الشورى على " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"، فلا يجوز بحال أن يستقل به فرد مهما بلغ علماً وحكمة. بل الاستبداد شرٌ كله ولا يأتي بخير " وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ" دلالة كل ذلك واضحة أننا المسؤولون عما حل بنا من تخلف وانحطاط وغلبة الأمم علينا .

داؤنا كامن في أحشائنا، من صنع أيدينا قلتم أنى هذا ؟ " قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ"، بل حتى حكامنا المستبدون ليسوا إلا الانعكاس المباشر لثقافة مجتمعنا وضحالة قيمة الحرية والكرامة لدى المواطن عندنا، بما يسهل على كل طاغية حشد الناس حوله والتهليل له لدرجة تسليطهم على كل مصلح وتشويه صورته لديهم وتهميشه. وفي ظل هذا النمط من الثقافة تغدو مسألة مصادرة الحريات واضطهاد الأحرار وتزييف الانتخابات مسألة لا تثير غضب الجماهير؛ بل تجد تأييداً غير قليل من قطاعات واسعة من النخب.

ولك أن تقارن بين ردود أفعال نخب وجماهير غربية على تزييف محدود جداً للانتخابات في بلادها حيث تندلع المسيرات العارمة ملتفة حول نخب معارضة موحدة لا يصرفها قر ولا حر ولا تهديد عن مواصلة وتصعيد تحركاتها فلا تعود إلى بيوتها وأعمالها حتى يسقط الدكتاتور أو تعاد الانتخابات، قارن بين ما حدث في يوغسلافيا وجورجيا وأوكرانيا وبين ما حدث ويحدث في عدد من الدول العربية، حيث التزييف السافر لإرادة الجماهير فلا يتعدى الاعتراض إصدار بيانات الشجب المحتشم. أليس ذلك عائداً إلى الفرق بين قيمة الحرية في المنظومتين الغربية والإسلامية؟ وهل يرجى تحول في أوضاعنا قبل أن نعي بهذه الحقيقة الوعي الكامل؟، فنقدم على إحداث الجراحات الضرورية في جسمنا الثقافي تأسيساً جديداً في ثقافتنا لقيمة الإنسان وحقوقه المقدسة في الحرية والكرامة ولقيم الاختلاف والتعددية والإنسانية وسلطة الأمة أساساً لشرعية الحكم.؟؟

غير أنه رغم ما تتوفر عليه هذه الأطروحة من حقائق ومن منهجية إصلاحية، ترفض صرف طاقات الجماهير تهيم بحثاً عن مشجب تعلق عليه مشاكلها، بل تردّها إلى ذاتها تبحث فيها عن أسباب فشلها وانحطاطها وغلبة الأمم عليها من مثل التأكيد على قيمة الحرية وما أصابها من إعطاب - بل دمار - جراء طغيان عقائد الجبر عليها، وأنظمة الجور ومناهج الجمود الفقهي والتربوي، مما انصبت عليه جهود المصلحين المسلمين المعاصرين بالنقد والإصلاح، بما جعل هذه الأطروحة تبدو على قدر غير قليل من التماسك والواقعية والفاعلية.


* ـ ألا تتفق مع القول إن السبيل الأفضل لتغيير سلوك الإنسان يمر حتماً بتغيير منهجه الفكري والعقدي؟

** ـ من المؤكد أني اتفق مع هذا الرأي، ولكن رغم ذلك فالأطروحة لا تخلو من جانب جدلي شكلي؛ ومن مبالغات غير قليلة قد تصل إلى حد جلد الذات وتبرئة العدو والإنتهاء بالأمة إلى حال من تعميق الشك في قدراتها واليأس من إصلاح ذاتها. وأخطر من ذلك قفزها فوق حقائق الواقع والعلم، إذ تقع فيما يشبه خطيئة القياس - مع وجود الفارق - فيما تستظهر به من أمثلة لدول حققت نهوضها رغم تعرضها للاحتلال وللمكائد الاستعمارية مثل الصين واليابان وألمانيا ودول في أمريكا اللاتينية.

الفارق واضح بين الموقف الغربي من دول وأمم لا تمثل للغرب منافساً حضارياً وإنما هي مجرد منافس سياسي أو اقتصادي يمكن ضبطه، وبين أمة إسلامية تعد تاريخياً المنافس الأساسي للحضارة الغربية. ولكم أن تقارنوا بين رد فعل كل من أمة اليابان والأمة الألمانية على الاحتلال الغربي، إذ قبلتا بشروط المتغلب فاندمجتا بالكامل في إطار منظومته الحضارية والاقتصادية والعسكرية، فلم تكد تنطلق منهما رصاصة واحدة مقاومة للهيمنة الغربية، فقد قبلتا السير بكل انضباط على السكة التي رسمها لهما المحتل، قارن بين ذلك وبين ردود أفعال أمتنا على الاحتلال الغربي وآخرها احتلال العراق، حيث لم تنته الحرب بسقوط الدولة بل هي قد بدأت، إذ بسقوط الدولة تحررت الأمة من نقطة ضعفها الأساسية: الدولة المستبدة المغتربة، لتتولى أمرها بنفسها من دون وصاية، مفجّرة مقاومة أذهلت المحتلين والمتعاونين معهم، بينما كانوا موعودين باستقبالات وردية وكان العراق موعوداً بأن يجعل منه الاحتلال الأمريكي أنموذجاً للتقدم في الشرق الأوسط يكرر الأنموذج الياباني والألماني لو أنه ودع خطيئة المكارم جانباً كما نصح الزبرقان:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ولكن شطراً كبيراً من شعب الرافدين صمم على رفض ما عرض عليه مما تتمتع به مجتمعات النمل؛ وأبى إلا أن يرحل يبتغي مكارم الحرية والعزة والاستقلال على غرار ما فعلت شعوب إسلامية وحرة أخرى، ولذلك هو يتعرض اليوم للسحق على يد أشرس آلة عسكرية عرفها تاريخ البشرية من أجل أن يفرض عليه القبول بشروط المتغلب كما قبلت بها أمم أخرى.

وهو ما يفسر لنا أيضاً ازدواجية الموقف الغربي من تقديم كل صنوف الحماية والدعم لانتفاضات معينة كالسلافيين والجورجيين والأوكرانيين من أجل الديمقراطية وصمتهم على الدبابات الروسية وهي تدك البرلمان، ومباركتهم لما تقوم به أنظمة حليفة لهم في بعض الدول العربية من تزييف سافر لإرادة الشعب.

* ـ وكيف تبرر الازدواجية في الموقف الغربي في هذه الحالة ؟

** ـ السبب واضح. الديمقراطية في أوربا الشرقية سبيل لنقل أمم من صف العدو إلى الانضواء تحت لواء الحلف الأطلسي والسوق الرأسمالي، ولذلك تستحق الدعم؛ بينما الديمقراطية في دول أخرى قد تطيح بأصدقاء وتأتي بفريق أقل ما يقال عنه إنه غير مضمون، وهو ما يفسر ازدواجية الموقف الغربي تجاه طلبات الانضواء في الاتحاد الأوربي، فقد قبلت دون عناء دولاً خرجت لتوها من المعسكر الشيوعي بينما ظل الطلب التركي تحت الأخذ والرد رغم ما بذل الأتراك من جهود محمومة لخلع ملابسهم الشرقية الإسلامية طمعاً في القبول بهم غربيين ولكن دون جدوى.

ومنذ مائتي سنة باءت بالفشل الذريع محاولة مماثلة من قبل محمد علي في السير سيرة الغربيين من أجل الحصول على بركات التقدم العلمي والقبول به في النادي الغربي.
وانظروا ما فعلت القيادة المصرية منذ السادات من مساع محمومة من أجل القبول بمصر شريكاً لـ " إسرائيل" في تمثيل المصالح الأمريكية في المنطقة أملاً في الفوز بمستحقات "الحراسة" ولكن دون تحقيق نجاح يذكر، لأنها لم تنسلخ من جلدها بالكامل. بينما ينعم الكيان الدخيل بدعم وحماية غير محدودين.

* وأين يوصلنا تجاهل العامل الخارجي في إعاقة النهضة العربية والإسلامية؟
*
* ـ إن تجاهل العائق الخارجي لكل مشاريع نهوض أمتنا أو التخفيف والتهوين من شأنه ممثلاً في ميزان القوة الدولي المائل ضد أمتنا ضرب من تجاهل حقائق العلم والواقع، وأسلوبٌ من جلد الذات وتبرئة العدو. جلد الذات الذي نهايته اليأس من أنفسنا بدوام اتهامها وترسيخ مشاعر القصور الذاتي.

وإننا وقد فشلنا في تحقيق أهدافنا الكبرى فلسنا نصلح لشيء ولن يصلح حالنا دون الانضواء تحت ألوية الآخر والسير سيرته فيما يحب ويكره من أجل أن نكون له أنداداً كما نصح طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة بمصر.


* إذا كانت الأمة بسبب العوائق الخارجية واستمرار العوائق الداخلية لم تحقق أهدافها في الوحدة والنهوض وتحرير فلسطين فهل يعني هذا أن جهود قرنين من النهضة والإصلاح ذهبت سدى؟

كلا؛ لقد أمكن لجهود الإصلاح هذه أن تعيد قطاعاً واسعاً من المسلمين إلى ساحة الفعل التاريخي بعد أن همشه الانحطاط. وكان من ثمار ذلك إعادة الربط بين الدين والحياة، واستيعابه لثمار الحداثة دون أن يضحي بشيء من تعاليمه وقيمه، خلافاً للمنتظمات الدينية والثقافية الأخرى التي اخترقتها الحداثة واحتوتها.

وكان من نتائج ذلك قيام حركات على امتداد العالم الإسلامي لمقاومة الاحتلال، حتى اضطرت دول الاستعمار إلى الانسحاب مدحورة وما بقيت غير بقاع محدودة من عالم الإسلام تحت الاحتلال لا تفتأ ضربات الجهاد تلاحقه فيها وتدخل عليه الرعب وتوقع به أشد الخسائر رغم تفوقه المادي.

وهاهي صحوة عارمة تخترق عالم الإسلام وحيثما وجد مسلمون؛ مناضلة من أجل إصلاح أنظمة حكم تابعة فاسدة تمثل الخارج أكثر مما تمثل شعوبها، صحوة تبغي استرجاع دول اغتربت وتحرير إرادة شعبية قهرت.

الثابت اليوم أن الإسلام قد أمكن له أن يهمش في كل أقطاره مذاهب العلمانية وألجأها إلى الاحتماء بعنف الدولة والظهير الخارجي للبقاء. والثابت كذلك أن الأجيال الجديدة في العالم الإسلامي أحسن إسلاماً من سالفاتها منذ قرون بما لا يرتاب معه دارس جاد أن جيل المستقبل في عالم الإسلام على كل المستويات بما في ذلك مستوى الحكم، إسلامي بإذن الله.

ومن مؤشرات ذلك حمل الإسلام لأنبل الرايات، مثل راية الجهاد لتحرير فلسطين والعراق وحمل راية الحرية والديمقراطية والدفاع عن المستضعفين ومقاومة الفساد والتبشير باستعادة وحدة الأمة المغدورة، وذلك عبر تعميق وتوسيع مشروع الإصلاح، فلا يقف عند المستوى الفكري العقدي والتربوي وتعبئة الأمة ضد الاحتلال الخارجي؛ وهي منطلقاته الأساسية بل هو قد عمل فيها تعميقاً وتوسيعاً وامتد بها إلى كل المستويات الاجتماعية وكل مؤسسات المجتمع المدني وعلى امتداد العالم.

خذ على سبيل المثال ما أنجزه على مستوى الطبقة الوسطى عبر نقاباتها: الأطباء والمهندسون والمحامون والصحفيون.. إلخ، من اختراقات هائلة فضلاً عن فئة الشباب والنساء، فضلاً عن إنجازاته المتفوقة في خدمة المجتمع عبر الانتشار الواسع في مؤسسات المجتمع الأهلي مثل الجمعيات الخيرية والمدارس والنوادي الرياضية. ولولا كوابح الدكتاتورية وحواجزها وما تلقاه من دعم خارجي غير محدود، لفاضت سيوله على السهل والوعر.

الثابت أيضاً أن الإسلام لأول مرة في التاريخ يغدو عالمياً بالجغرافيا، فهو أسرع الديانات انتشاراً على خريطة الكرة الأرضية، ولأول مرة يصبح تناول الإسلام في الصحافة الغربية جزءاً من صفحاتها المحلية، ولن يمض زمن بعيد حتى تنمو مشاركته على كل صعيد.

وسيقتنع الغرب بدءاً بالأمم الأكثر براغماتية مثل الأمريكان والإنكليز أنه لا سبيل لضمان المصالح الغربية في عالم الإسلام دون قبول بشراكة إسلامية مع الإسلام وأمته، وتخلٍّ عن فكرة المركزية الغربية أو أمركة العالم؛ أي القبول بدل ذلك بتعددية حضارية، وذلك من خلال التعامل مع التيار الوسطي في الحركة الإسلامية اقتناعاً وقبولاً بدور للإسلام في تحديد السياسات الدولية بعد قرن أو يزيد من التهميش.

* وهل تعد كل ذلك فشلاً؟

** قد يكون، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار ميزان القوة الدولي المستمر ميلانه منذ قرنين لصالح القوى الغربية، ولكنه يتحول تدريجاً لصالح الإسلام وأهله وفي اتجاه عالم متعدد على أنقاض المركزية الغربية. إن النصر - أي تحقيق الأهداف - قابل للتجزئة، فيمكن تحقيقه بالنقاط أي التقدم التدريجي صوبه وليس فقط بالضربة الحاسمة.

فهل ما ذكر من نقاط قليل حتى لا يبقى في قاموس خطابنا غير الحديث عن الفشل؟، اللهم إلا في اعتبار بعضهم أن مقياس النجاح هو مدى تحقق القطيعة بين الدين والحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية للأمة على غرار ما يعتقد أنه سبب نهوض الغرب، إذا كان الأمر كذلك فحقيق عليهم إدمان الصراخ صبحاً وعشياً بفشل الأمة.

* هل يقاس نجاح المشروع الإسلامي في الحصول على الدولة أو النجاح في إدارتها ؟

مع أن هذا الهدف ليس أعز مطالب الحركة الإسلامية في زمن اختلال موازين القوى لصالح خصوم الإسلام - وهو ما يفسر جزئياً على الأقل تعثر تجارب الحكم الإسلامي (إيران) أو فشلها الذريع (السودان) - والحقيقة أن جوهر المشروع ليس سياسياً هو الدولة وإنما فكري اجتماعي تربوي متجه أساساً إلى الفرد، وإلى المجتمع، وإلى الناس كافة وعلى أساس ما ينجزه في هذه الصعيد يقاس نجاحه أو فشله، وهو ما يجعل الحرية والعدالة على رأس مطالبه بحسبانهما قيمة أساسية في الإسلام ومدخلاً لا بديل عنه لكل إصلاح. وما أحسب أنها قليلة على هذا الصعيد منجزات المشروع الإسلامي وذلك رغم استمرار العوائق الخارجية أساساً وعلى رأسها دولة الاستبداد نقطة الضعف الأولى في بنية الأمة اليوم، وما تستظهر به على الأمة من قوى خارجية، على رأسها اليوم الكيان الصهيوني وحماته الغربيون وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، ثم العوائق الداخلية عائق التجزئة، وعوائق فكر التغريب وفكر الانحطاط ومن هذا الأخير قلة رسوخ فكر الحرية والتعددية في موروثنا بما يجعل التوصل صعباً إلى الإجماع الضروري لكل اجتماع وكل تغيير وكذا إدارة الحوار والتعامل مع الاختلاف سلمياً بحثاً عن المشترك.

وما حصل بين الجماعات الأفغانية الجهادية المنتصرة من تقاتل استكمل تدمير البلاد وأسلمها لأشد عناصر الإسلام تخلفاً (طالبان) الذين انتهوا بحماقاتهم إلى توجيه الدعوة إلى الأمريكان إلى احتلال البلد بديلاً عن الاتحاد السوفياتي. وليس بعيداً من ذلك ما انتهى إليه أهل المشروع الإسلامي في السودان من تنازع ذهب بريحهم ودفعهم إلى التسابق على الاستظهار على بعضهم بعضاً بالتمرد، كل ذلك ثمرة لهزال بضاعتنا في ثقافة الحرية والتعددية وفن إدارة الاختلاف سلمياً، وهو ما نجح فيه الغرب بعد عصور من الفتن والتقاتل، فطفق يتقدم بثبات صوب الإجماع صارفاً الأنظار عن مواطن الاختلاف؛ يهملها مرة ويدعها لعامل الزمن يعالجها مرةً أخرى؛ بينما يحرن قومنا عند كل نقطة اختلاف، فتتضخم عندهم حتى تغشي أبصارهم عن ساحات الوفاق الفسيحة.

لا بد من تأكيد الشورى أساساً لكل نهوض، وضبطها بآليات الديمقراطية الحديثة والعمل فيها تطويراً عبر الممارسة.



الحلقة 2: غياب المرجعية في التحديث خلق فوضى ويتماً
أجرى الحوار:وحيد تاجا -



في الجزء الثاني من لقائنا المطول مع المفكر الإسلامي التونسي راشد الغنوشي - زعيم حركة النهضة التونسية الإسلامية - نتناول الفشل الذي أحاط بعملية النهضة، ومنه حالة الصراع الذي ابتليت به الأمة بين الكثير من مكوناتها، كما نتناول المد الإسلامي أو الصحوة الإسلامية في هذه المرحلة، ودور الأحزاب الإسلامية والحركات السياسية الدينية في هذا المجال.

نص الحوار


* تحدثتم عن واقع الأمة وعن الفشل الذي أحاط بعملية النهضة. بتقديرك، ما هي الأسباب التي جعلت العالم الإسلامي يصل إلى هذا الوضع؟

*عوامل كثيرة خارجية وداخلية تراكمت تأثيراتها السلبية على أمة الإسلام، وأودت بها إلى هذا الحال من الضعف والتمزق.
صراع محتدم لا هوادة فيه بين دولها وبين طوائفها وبين مذاهبها وبين نخبها القديمة والحديثة وبين شعوبها وحكامها، كل ذلك وهي تواجه حملات غربية متلاحقة منذ أزيد من قرنين؛ بل منذ بدأ الهجوم المعاكس في معركة (بواتييه)، لكنها بأثر عقيدتها لم تستسلم قط لميزان القوة الذي اختل لصالح الخارج، بل ظلت تقاوم حتى في غياب الوحدة السياسية الجامعة والإجماع الفكري والثقافي، على الرغم من أن النمو المعرفي والتطور التقني لدى أهل الضفة الأخرى، ظل البون بينه وبين نظيره لدى المسلمين يتسع لصالح الطرف المقابل منذ القرن السادس عشر.

* ما هو برأيك العامل الرئيسي في اختلال ميزان القوى الحضاري بين الفريقين؟

يمكن القول إن العامل الرئيسي في اختلال ميزان القوة هو العامل الخارجي؛ ممثلاً في التفوق العسكري الذي أعانت عليه ظروف بيئية؛ مثل توافر ثروة الغابات (الأخشاب الصلبة) المساعدة على تطور صناعة السفن العملاقة القادرة على عبور المحيطات، وما أفضى إليه ذلك من كشوف جغرافية لعوالم جديدة فاضت عليهم بثروات طائلة كان لها إسهامها المقَدّرُ في فرض الكساد على اقتصاديات عالم الإسلام، مقابل إحداث حركة تجارية وصناعية في الغرب، مهدت لدخوله عصراً جديداً، عصر الثورة الصناعية والمجتمع الرأسمالي، وأثر التراكم الهائل للثروات المنهوبة من العوالم الجديدة ومن شعوبها التي تعرضت للإبادة.

* كأنك ربطت كل التقدم العلمي والتقني بالقوة العسكرية، فأين دور التنوير الفكري في صناعة النهضة الغربية؟

القوة العسكرية في البنية الغربية هي الرافعة الأساسية والقوة المحركة للعلم والتقنية والاختراع، وهي كاسحة الثلوج عن طريق الرأسمال الزاحف بحثاً عن الأسواق والمواد الأولية وخصوصاً الطاقة.

وعلى الرغم مما يعطى عادة من أهمية مبالغ فيها لدور التنوير الفكري في صناعة النهضة الغربية، بما حرر من عقول من إسار الخرافة والدين الكنسي؛ وبما أشاع من قيم تحررية وما طور من أنظمة ديمقراطية وما صاغ وأقر من حقوق للإنسان؛ كالمساواة بين الناس والمساواة بين الجنسين، مما يندرج تحت مسمى التحديث والنهضة والإصلاح، على أهمية تلك الأفكار والقيم والنظم إلا أنها لم تأتِ ثمرة لتأملات فلسفية أو تلبية ليقظة ضمير أخلاقي إنساني مضّه الإحساس بالظلم وترسخ فيه وهيمنت عليه قيم العدالة، بقدر ما جاءت لتلبي مطالب التفوق العسكري والتوسع الرأسمالي، جاءت بعدها تسوياتٌ لصراعات محتدمة لم يمكن حسمها داخلياً لصالح طرف واحد من الأطراف المتصارعة فكان لا بد من ترتيبات وتسويات سلمية، حملت مسمى النظام الديمقراطي، من أجل إزاحة العوائق من طريق انطلاق رأس المال.


المرأة والتوسع الرأسمالي

* ربطت في أحد حواراتك بين هذا التوسع الرأسمالي وتحرر المرأة والاعتراف بحقوقها في الغرب ؟

قصة حرية المرأة والاعتراف بحقوقها لم يكن منطلقها بحال إنسانياً، بقدر ما كان مقتضى من مقتضيات التوسع الرأسمالي وتوفير يد عاملة رخيصة، وبالخصوص خلال الحروب التي أخلت المصانع والإدارات من كثير من الرجال ممّن كان لابد من تعويضهم بالنساء، فكان لا بد من تحقير قيم العائلة ودور المرأة أُمّاً وربة بيت، مقابل إيلاء قيمة لعمل المرأة خارج البيت، وتركيز الأضواء حول جانب الأنوثة والإغراء من شخصيتها وتحويلها في المحصلة لسلعة في السوق الرأسمالية التي "سلَّعت" كل شيء.

وتلك هي العلمانية الشاملة والترجمة القيمية والفلسفية والمجتمعية للمؤسسة الرأسمالية العملاقة ولآلتها العسكرية الفتاكة التي أمكن لها أن تعمل في الأمم والحضارات والديانات إبادة إن أمكن أو تفكيكاً واحتواء، وقطعت في ذلك أشواطاً بعيدة تغريباً للعالم أو أمركة له.

عودة الإسلام

* أشرت إلى أن الإسلام لم يستسلم قط لميزان القوة الذي اختل لصالح الخارج، بل ظل يقاوم حتى في غياب كل من الوحدة السياسية الجامعة والإجماع الفكري والثقافي .. كيف ترى ذلك؟

أبدى الإسلام ولا يزال استعصاء يتفاقم في وجه الحداثة؛ والحقيقة إن استعصاءه ليس في وجه الحداثة بما هي علوم وتقنيات ومعارف ثابتة فقد أمكن لحركاته الإصلاحية منذ قرنين أن تحتوي كل ذلك ضمن قيم الإسلام وبشروطه ولخدمته، وإنما استعصاؤه هو أساساً في وجه آلته العسكرية الفتاكة وما يتقدمها من أضواء تغشي الأبصار لتسويغها والتمهيد لها: فلسفات وقيم مادية تحول الإنسان إلى مجرد وسيلة.

إن قوة الإسلام الروحية المتعاظمة تمثل اليوم - بعد إزاحة العقبة الشيوعية - عنصراً أساسياً في استعادة شيء من التوازن الدولي المختل والحؤول دون أن تعلن الدولة العظمى نفسها إلهاً لا يُسأل عما يفعل ولا رادَّ لقضائه، وذلك على الرغم مما يطفو على السطح من أشكال عشوائية لمقاومة تُعزى للإسلام رغم تجافيها عن قيمه، وغلبة الرد الغاضب الغريزي عليها؛ المصطبغِ بصبغة وقيم ومنطق القوة التي ينازلها منطق: الغاية تبرر الوسيلة، مما لا يقره الإسلام بل يسيء إليه.

غير أن الثابت أنه مقابل تنامي وتسارع العودة إلى الإسلام واكتشافه والالتزام به وانتشاره في العالم، هناك تراجع للحلم الغربي في الرهان على سعادة دنيوية يصنعها عقل أرضي مستغن ومنقطع عن السماء، أعلن في صلف موت الإله، ما يعني طموحاً إلى الحلول في المنزلة نفسها، إلا أن ما حدث ليس سوى سيادة نسبية القيم وتعويمها وماديتها فما يبقى من قيمة لغير المال والربح والقوة واللذة وسلطة الدولة خادماً لرأس المال في المستوى المحلي وفي العلاقات الدولية. وكل ذلك ثمرة لنهج في الإصلاح أطاح بأسس القيم والمعايير المستمدة من الدين.

بينما أحد وجوه الصراع في العالم الإسلامي يدور حول الإسلام ذاته: هل يتم الإصلاح في نطاقه وبمقاييسه تأسيساً على قواعد الاجتهاد كما هي مقررة في أصول الفقه، وهو نهج الإسلاميين على اختلافاتهم؟ أم يجب أن ينطلق متحرراً من كل توجيه إلهي، حتى ولو أدى ذلك إلى إصلاح الإسلام ذاته وإخضاعه لسلسلة من العمليات الجراحية تحت مسمى الاجتهاد والإصلاح والتطوير والتحديث، وذلك على خلفية الأنموذج الغربي الذي يجب أن يستلهم بل أن يحاكى في حلوه ومره؟ إن ذلك لا يعني بحال أن مهمة الإصلاحيين الإسلاميين قد استنفدت أغراضها، فلا يزال قطاع واسع من المسلمين حتى من خاصتهم مشدوداً إلى مدارس تراثية معيقة لكل تقدم وإصلاح، سواء أكانت تُعزى إلى تشدد سلفي يستبيح دماء المخالفين مسلمين وغير مسلمين، أم كانت تنتمي إلى مذاهب "غنوصية" غارقة في الخرافة وضاربة في التيه.

إن غياب المرجعية الإسلامية بأثر حركة التحديث التي فككت المؤسسات العلمانية وما كان يدعم استقلالها من وقف، وذلك لصالح المركزية المطلقة للدولة الحديثة، خلَّف وراءه قدراً من الفوضى في جمهرة المسلمين ونوعاً من اليتم، وهو ما فاقم حالة الضعف والفوضى، واقتضى البحث عن بدائل تمثلت في الحركات الإسلامية والجمعيات الخيرية التي مازالت تصارع من أجل إبقاء سلطةَ الدولة المركزية المتغولة المدعومة بقوى الهيمنة الدولية، وذلك على الرغم من بدايات مبشرة بتباين المصالح بين الطرف الدولي وحاميه المحلي.

* و كيف نفهم المد الإسلامي أو ما يسمى بالصحوة الإسلامية ضمن هذه الرؤية؟

لا بد من الإشارة هنا إلى أن الثابت أن الأمة تتقدم وتقوى رغم أن الدولة فيها تزداد ضعفاً وخواء من الشرعية؛ وتعول أكثر على العنف مصدراً لشرعيتها معززاً بالظهير الخارجي.

الإسلام اليوم - رغم استمرار نقاط الضعف الداخلي والعوائق الخارجية - على سلم تاريخي صاعد، بينما مذاهب العلمنة في حالة ذبول وشيخوخة. رغم أنها في سدة الحكم على الصعيد العالمي بينما الإسلام في المعارضة، ولكنه المعارضة الرئيسية، وستعمل سنة التداول عملها. قال تعالى: " وَتِلْكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ" وهو تداول لا يعني الإلغاء ولكنه استيعاب لما يحدث من كسب، وتشكيله في صيغ حضارية جديدة تتكفل بحل مشكلات مستعصية، وضخ دماء جديدة في جسم الحضارة العالمية. " لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ".

فالثابت بالوقائع المشهودة أن الإسلام في هذه الأزمنة من التغلب الغربي لم يحقق بقاءه وحسب بل يتقدم بثبات وسرعة تحت القصف إن على مستوى الكمِّ أو على مستوى الكيف.

الوقائع تشير أيضا إلى أن جغرافية الإسلام اتسعت وتتسع أكثر من أي فترة تاريخية سابقة، فهو من جهة استردّ بلاداً واسعة تمتد ملايين الأميال تعيش عليها عشرات الملايين، كان الإلحاد قد اقتطعها من دار الإسلام، وهم اليوم عادوا منشغلين بنفض الغبار عن مساجدهم، واسترجاع أوقافهم ومدارسهم، وربط أسبابهم بدار الإسلام، رغم الكيد الغربي الذي مد يد العون سخية للحرس الشيوعي القديم حتى ولو أرسى جمهوريات ملكية يورِّثها لأبنائه، بينما الغرب لا يفتأ خارج المنطقة الإسلامية من الجمهوريات الشيوعية السابقة يمارس كل أسباب الضغط والدفع للإطاحة ببقايا الشيوعية في تلك الجمهوريات..من بولونيا إلى أوكرانيا.

وعلى الصعيد الجغرافي أيضاً فإن للإسلام المعاصر عوالمَه الجديدة الممتدة في كل أرجاء المعمورة من الأميركيتين إلى أوروبا وعبر كل القارات. وهو بصدد التفاعل مع عوالمه الجديدة أخذاً وعطاءً باذلاً إسهامه في تنميتها وازدهارها وخيرها، لا يعكر صفوه ويعرقل سيره غير فكر وأعمال التطرف والإرهاب الصادرة عن بعض أهل تلك البلاد المتعصبين أو عن بعض أبناء الإسلام الجاهلين.

والإسلام ماض في تأصيل جذوره في عوالمه الجديدة وتطوير ثقافة إسلامية تتناغم مع خصوصيات تلك البلاد كما طور من قبل ثقافات إسلامية عربية وفارسية وهندية ومالاوية.

* إذا اتفقنا معكم على هذا التوسع على صعيد الكم، فأين هو على صعيد الكيف ؟

على صعيد الكيف أمكن للمسلمين أن يكسبوا في إيمانهم خيراً بعد قرنين من الإصلاح عوداً إلى الجذور، متجاوزين سجون الانحطاط محررين – إلى حد معقول - دينهم، من أسرها، مميزين بينها وبين أصول الدين، بما حوّلها إلى مجرد تراث وحقل تجارب يستفاد منه دون أن يرتقي إلى منزلة السلطة المرجعية التي تحل محل النصوص الأصلية كما كان عليه الأمر لعصور مديدة.

وهي عملية بدأت منذ قرنين على الأقل، ومستمرة وفي سياقها تحرر العقل المسلم من كثير من الأوهام، وعاد يمارس الاجتهاد فيتحرر من كثير من الخرافات ويستعيد دوره في إجراء الحوار والتفاعل بين الوحي ومشكلات الواقع باحثاً عن حلول جديدة لها مستفيداً من تراثنا ومقتبساً من كسب الحضارة المعاصرة فيما يتساوق مع مقاصد الإسلام.

وهكذا تمت في الإسلام عملية مهمة جداً لم تتم في دين آخر- كما أسلفنا- أعني تم له استيعاب الحداثة الغربية المعاصرة على شروطه وليس على شروطها، فاستخدمها لضخّ دماء جديدة في عقول وحياة أهله من دون بذل المقابل الذي طلبه الغربيون والمتغربون - ولا يزالون - وهو الإقدام على إجراء جراحات في بنية الإسلام حتى يتلاءم والحداثة العلمانية، وهو ما تحمست له نخب وحكام أمثال بورقيبة وشاه إيران وطه حسين ومن سار على دربهم المهلك.

ومن ثمار هذه العملية التاريخية المهمة جداً التي أنجزها الإصلاح الإسلامي - أعني احتواء الإسلام للحداثة بشروطه ولمصلحته - هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي أشرت إليها في بداية سؤالك، والتي تعمر الأمة من أقصاها إلى أقصاها وبالخصوص قطاعات التعليم حيث يهيمن القطاع الطلابي الإسلامي على كل الكليات في بلاد الإسلام؛ وحيث يوجد مسلمون يتمتعون بنَفَسٍ من الحرية، وانعكس ذلك في النقابات المهنية للمهندسين والأطباء والمحامين والصيادلة وأساتذة الجامعات والصحفيين وحتى الجمعيات النَّسوية.

ومن آثار هذه العملية التاريخية المهمة التنامي المتواصل لمعالم الحياة الإسلامية، فكانت كلمة التوحيد التي تم تحرير أقدار مما تتوافر عليه من طاقات خلاقة، مثل خلية أولى تحمل مشروعاً متكاملاً لبنية عضوية متقدمة جداً، لا تني تفصح عنها بالتدريج، فكان من ثمار ذلك، ثورة التحرير التي عمّت عالم الإسلام جهاداً تصدى للجيوش الغازية حتى لاذت بالفرار، ولا يزال يطارد ما تبقى حتى تولي الأدبار تجر أذيال الخزي في أثر أسلافها.

ومن ثماره كذلك تلك العملية التاريخية المهمة وهي تحريك آلة الاجتهاد المعطلة منذ عصور، اجتهاد أصّل لمكانة العلم في دين الإسلام وللتربية الحديثة وللنشاط الاقتصادي باعتباره جزءاً من عبادة المسلم، وللفنون الجميلة ولحقوق الإنسان وللحرية والديمقراطية ولدور المرأة شقيقة للرجل.

وبذلك توالى بروز معالم الحياة الإسلامية في هذا العصر في مجالات كثيرة، منها المجال الاقتصادي ففرض مفهوم الاقتصاد الإسلامي شخصيته المتميزة مقابل الاقتصاد التقليدي الرأسمالي، فامتدت سلسلة واسعة من البنوك والشركات الإسلامية التي تلتزم ضوابط الشريعة، وبلغ نجاحها حداً غدت معه البنوك الغربية مثل سيتي بنك وباركليز تفتح لها فروعاً تتعامل بالشريعة الإسلامية.

وكان أحدثها البنك الإسلامي البريطاني، وانعقدت له المؤتمرات العلمية والندوات الدراسية بل افتتحت جامعات غربية مثل (لافبارة) في إنكلترا كلية لدراسة الاقتصاد الإسلامي، باعتباره ركناً في نظام الحياة الإسلامية والدولة في الإسلام التي لا تزال الدراسات والتجارب في مجالها تُجرى من أجل بلورتها إن على الصعيد النظري أو على الصعيد التطبيقي.

ومن ذلك دراسات وتجارب في مجال السياسات الإسلامية في شكل برامج لأحزاب إسلامية أو نقابات أو جمعيات خيرية أو مدارس إسلامية أو بحوث، وفقه مقارن بين النظريات الإسلامية في الشورى مثلاً والديمقراطية وفي مجال حقوق الإنسان، ومن ذلك ظهور معالم أخرى للحياة الإسلامية في مجال الأدب والفنون مثل الرابطة العالمية للأدب الإسلامي، ومن مثل تطوير الزي الإسلامي للمرأة الذي هو صورة معاصرة تجسد قيم الإسلام في الحشمة؛ متفاعلة مع ما اقتضته الحياة المعاصرة من مشاركة واسعة للمرأة في المجال العام.


دور الأحزاب الإسلامية

* هل ترى للأحزاب الإسلامية دوراً في هذا السياق ؟

لابد من الاعتراف بأن الأحزاب الإسلامية استطاعت تحقيق قدر كبير من النجاح إن على صعيد تعبئة أوسع للقطاعات الجماهيرية وراء قضايا الأمة الكبرى في العدل والحرية ومناصرة ضحايا العدوان الدولي على شعوب إسلامية والوقوف إلى جانب المقاومة فيها، مثل قضية فلسطين والبوسنة والشيشان وكشمير والعراق؛ أو في مجال التصدي لأنظمة القهر والاستبداد مناصَرة لحقوق الإنسان والتعاون في ذلك مع سائر القوى الوطنية والتحررية في العالم من مثل الحركة العالمية لمناهضة للعولمة.

وبرهنت الأحزاب الإسلامية ونوابها في البرلمانات على مدى ما تتوافر عليه هذه الجماعات من مستوى عالٍ من المبدئية والواقعية في الآن ذاته. وحتى عندما حكمت هذه الأحزاب وأزيحت عن الحكم مثل حزب الرفاه لم تستنفر الجماهير إلى الجهاد المسلح مسفهة ما اتهمت به من توظيف للديمقراطية مجرد توظيف لتزيحها جانباً بمجرد الوصول للسلطة، وسرعان ما عادت إلى الساحة عبر صناديق الاقتراع أقوى مما كانت بعد أن تعلمت من تجربتها وتشكلت في هيئات جديدة حاملة لبرامج واقعية متطورة، محمولة إلى الحكم على أجنحة آمال شعوبها في العزة والرفاه وطهارة الأيدي المتوضئة.

ينطبق ذلك أيضاً، على الأحزاب الإسلامية المشاركة في السلطة التشريعية، وهو حال أغلبها من إندونيسيا إلى المغرب، مروراً بمصر واليمن والجزائر، وكذا على الأحزاب المشاركة في الحكومات أيضاً، وهي غير قليلة من إندونيسيا إلى بنغلادش.

عموماً يمكن القول إنَّ تجربة الحركات الإسلامية أسهمت في تطويرها ذاتياً، فجعلتها أكثر فقهاً بالواقع المحلي والدولي، كما أسهمت في خدمة الإسلام وترسيخ التجربة الديمقراطية، وفوّتت على أعداء الإسلام فرصة دفعها إلى الصدام مع الحكومات مما تضررت منه التجربة الديمقراطية كثيراً، ولكن هذه المشاركات تبقى في عمومها جزئية؛ وتظل الصورة العامة لوضع الإسلام بالقياس إلى معركته مع العلمانية ومقاومته للهيمنة الدولية أنه في المعارضة المعترف بها أحياناً والمضطهدة إلى درجة السَحق أحياناً أخرى.


الحلقة 3: الحرية أكبر مطالب الإسلام السياسي
أجرى الحوار: وحيد تاجــــا



يتحدث المفكر الإسلامي وزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في هذه الحلقة من حواره الشامل مع إسلام أون لاين عن التجارب الإسلامية التي وصلت إلى سدة الحكم، فيستعرض التجربة السودانية معتبراً أنها فشلت فشلاً ذريعًا، كما تحدث عن التجربة الأفغانية في عهد المجاهدين وخلال حكم حركة طالبان.

وتوقف طويلا عند التجربة التركية معتبرا أنها الأفضل بين التجارب الإسلامية الحديثة.
كما تطرق الحديث مع المفكر الإسلامي التونسي إلى الإسلام السياسي ومدى تعارضه مع الإسلام التقليدي، وإلى جدوى مؤتمرات حوار الأديان التي تنظم في السنوات الأخيرة.

نص الحوار


التجربة الأفغانية

* حدثنا عن رؤيتك لممارسة الإسلاميين على صعيد الحكم؛ سواء في تركيا أو في غيرها من البلدان التي تولت فيها الحركات الإسلامية تسيير شؤون البلاد ؟

** هناك ثلاث تجارب يمكن الإشارة إليها على صعيد ممارسة الإسلاميين الحكم، أولها التجربة
الأفغانية - إن في عهد المجاهدين أو في عهد طالبان - ورغم ظروفها الخاصة فهي في العموم شهادة ليست بحال لأصحابها ولا للإسلام، وإنما شهادة مضادة وخصم من الحركة الإسلامية
المعاصرة وليست بحال إضافة. والأسباب ليست بالغة الخفاء وتتمثل أساساً - إضافة إلى المعوقات الخارجية- في طبيعة الساحة التي تحرك فيها الإسلام هناك، وهي ساحة تتسم بالتمزق القبلي والطائفي والتخلف الاجتماعي والثقافي ولم تكن التشكيلات الحزبية التي حكمت في المحصلة غير نتاج لطبيعة التخلف السائدة، فالمجاهدون انحاز كل منهم للعرق والقبيلة.

فقلب الدين حكمتيار ناصر الباشتون، وشاه مسعود رحمه الله مالَ للطاجيك، فكانت حرباً قبلية تغذيها القوى الدولية والإقليمية. الباكستان وراء حكمتيار؛ والهند وروسيا وراء شاه مسعود والشعب الأفغاني هو الضحية، فكانت إسلامية الفريقين غاية في القشرية.

واستُخدم الإسلام استخداماً توظيفياً، وأثبتا عجزاً فاضحاً في مستوى التدين وكذا في مستوى السياسة الحديثة، إذ راهن كل منهما على الانفراد بالأمر جملة في مجتمع متعدد الأعراق والملل.

لقد شهدا على عقم موروثنا في السياسة الإسلامية، وأثبتا العجز عن إدارة التعدد سلمياً والرهان على السيف سبيلاً لإلغاء التعدد، وكان من عدل الله أن يسلط عليهما قوة تزيحهما معاً، عندما جاءت جماعة طالبان التي كانت عقائديتها أعمق منهما، وكذا تفاعلها مع تراث البلد الديني.

فهم طلبة علوم دينية أي هم القيادة الدينية الشرعية في البلد؛ ولذلك سهل عليهم اجتياح كل من وقف في وجههم، إلا أن مشروعهم كان غاية في البساطة إلى حد السذاجة، بينما يتعاملون مع عالم معقد ومجتمع متعدد ومن وراء كل فريق مصالح إقليمية ودولية لم يلق لها طلبة العلم الديني الطيبون بالاً، فكان مشروعهم جمع البلد كله فوق نقطة واحدة هي الإسلام كما صاغته العصور الخوالي، ومن خلال رؤية مذهبية ضيقة ليس وراءها في معتقدهم إلا الضلال والكفر، وهو نهج شاذ عن سنة الله في خلقه، " وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (*) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ....".

وهكذا سرعان ما تَصَرَّمَ الأمر، فكثر أعداؤهم في الداخل والخارج بسبب ضيق أُفقهم وتصورهم لإسلام مستل من بطون أسفار كتبت في القرون الخوالي، أحسنوا الظن في كفايتها لتنظيم دولة حديثة ولإدارة مجتمع معقد والتعامل مع تحديات عالم متربص ومتشابك.

ومن ضيق أفق طالبان أن مشروعهم الإسلامي لا يكاد يتضمن شيئاً؛ غير قائمة من المحظورات، كالخمر والميسر وحلق الذقون وشغل المرأة وتعليمها، حتى إذا أنجزوا ذلك لم يجدوا غير الفراغ فشنوا حرباً على الأحجار المنحوتة منذ القرون الخوالي في الجبال ومرت من عندها أجيال من المسلمين لم يفكر أحدهم في محاربتها.

ومن بساطتهم وضيق أفقهم فتحهم البلاد لجماعات المجاهدين الذين لفظهم النظام الدولي بعد أن قضى وطره منهم وعقدوا معهم العهد، فلما طولبوا بتسليمهم لمعاقبتهم على ما اقترفوا تمسكوا بما قطعوا على أنفسهم من عهد فكانت نهايتهم، وكان حالهم شبيهاً بقوم مكثوا مئات السنين في كهفهم ثم غادروه؛ وتمكنوا من دخول المدينة وفرضوا عليها حكمهم بحسب ما استقر في ثقافة القرون الغابرة. إن السنن غلابة ومنها سنة التطور
" وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً".

التجربة السودانية

* وماذا عن التجربة السودانية ؟
** للأسف، فشل التجربة السودانية أمر واقع، وهل يُتوقع ممن فشل في إدارة الحوار في صلب جماعته، أن ينجح في التوافق مع جماعات طالما أعلن عليها الجهاد؛ ولم يدخر وسعاً في التعبئة ضدها وتضليلها وتخوينها والحلف جهاراً نهاراً أمام الملأ أنه لن يعيد تلك الأحزاب الطائفية!؟ هل يتوقع ممن أسس مشروعه على استبعاد الآخرين والانفراد بالسلطة ونظّر لذلك ورتب عليه أمره أن يتراجع عن ذلك ويتحول إلى ديمقراطي يحترم حقوق الآخر ويفي بما يعاهد عليه؟

إن الفشل في هذه التجربة خلافاً لسابقتها مثير للغرابة وحتى للاستهجان، مع أن المشروع الإسلامي يتحرك هنا أيضاً في بيئة ممزقة، وفي وطن لم يستكمل مقومات وجوده بعد، ما جعل بنيان الدولة هشاً، فالدولة ليست هي محور الاجتماع وإنما القبيلة والطائفة واللون.



ورغم شدة المكائد الدولية والإقليمية وتشابك المصالح وتصادمها، فالثابت أن المشروع الإسلامي في السودان - وإن كانت له بعض الإنجازات كنجاحه في استغلال ثروة البترول رغم العرقلة الأمريكية، ومثل توسيع دائرة التعليم وتعريبه، ومثل وقف زحف التمرد بل دحره في مواقع كثيرة- ربما صنع توازناً مع التمرد أقنعه بضرورة التفاوض والرضى باقتسام البلد وإطفاء حريق لم يعد مقبولاً استمراره بجوار حقول النفط الواعدة والتي تتعلق بها مصالح دولية ضغطت على الجميع لإطفاء الحريق والقبول بقسمة السلطة، بينما كان كل من التمرد وجماعة الإنقاذ طامعاً في الانفراد بالأمر كله. إلا أن النجاح المنجز في الاتفاق مع التمرد لاقتسام السلطة والثروة معه على أهميته لا يعني في المحصلة حسماً للداء من أساسه ما استمر فشله في اقتسام السلطة مع بقية المكونات الرئيسية للبلد عبر الحوار والتفاوض توصلاً للإجماع الوطني.

إن البلد اليوم أشد انقساماً من اليوم الذي استولى فيه الإنقاذ على السلطة، وكأن الجسم الوطني السوداني يتفجر من جميع أجزائه عنفاً وتمرداً على السلطة المركزية، وقد استقر في ذهن جميع الفئات أن السلطة لا تفاوض إلا من يحمل السلاح، حتى إن زعيم أكبر حزب بالبلد الصادق المهدي هدد بحمل السلاح إذا لم يلق من الحكم ما يستحق، وهو ما أغرى أيضاً جماعة المؤتمر الشعبي رفاق الدرب وقد أقصوا ولوحقوا بالطرد من الإدارات وتجريدهم من كل مركز قوة هم فيه من قبل إخوانهم متهمين بأنهم وراء فصائل من التمرد في دارفور، وقد يلامون إن هم فعلوا ذلك ولكنَّ لصاحب الحق مقالاً.

* هل تبرر الظروف الداخلية والخارجية الصعبة التي عمل فيها المشروع السوداني فشله؟

** صعب أن يُلتمس لهذا الفريق من الإسلاميين ما يُلتمس لجماعة طالبان من الأعذار؟ لأن هذا الفريق لم يخرج لإدارة الدولة الحديثة من بطون التاريخ ومدارس التقليد الفقهي، بل هو فريق حديث متخرج من جامعات حديثة مقدَّرة، مستوعب للعصر، تأسس على تصور إسلامي إصلاحي وليس تقليدياً.

هو فريق تقلب في شؤون الإدارة والحكم، وزراء وبرلمانيون ومدراء لشركات وبنوك، فكيف سولت لهم أنفسهم بعد أن نجحوا في الانقلاب على الآخرين أن ينفردوا بحكم السودان وإلى الأبد!؟ مراهنين كأي جماعة من جماعات الحداثة العلمانية (وهم الإسلاميون) على الاستيلاء على الدولة والانفراد بها واستخدام مؤسساتها الحديثة في تفكيك بنية المجتمع بحسبانها متخلفة طائفية أنتجت كيانات سياسية طائفية تقليدية، فلتحل، وليخضع الشعب لمبضع الجراح الحداثي الإسلامي يفككه؛ سبيلاً لإعادة تركيب هويته بحسب الأنموذج الذي نريد، وذلك عبر بسط التعليم على أوسع نطاق لا بتقدير العلم قيمة في ذاته أو سبيلاً للنمو وإنما أداة سياسية لتقويض بنية الكيانات التقليدية المنافسة رهاناً على صنع هوية جديدة للشعب.

ذلك هو الرهان الأساسي لمؤسس المشروع الدكتور حسن الترابي الذي طالما شكا وردد تلاميذه شكواه من تغلغل الطائفية في بنية المجتمع السوداني، ما جعل أحزاباً متخلفة في رأيهم مثل الاتحادي والأمة تعتصم بقواعد لها شعبية واسعة، فشلت حداثة الشيوعيين كحداثة الحركة الإسلامية في تقويضها اللهم إلا ما انتزعته منها عبر التعليم، فلتمتد الجامعات في كل أرجاء البلاد، وليستولي أبناء الحركة الإسلامية على كل مراكز القوة والنفوذ الأمني والعسكري والتعليمي والإعلامي والاقتصادي بخلفية تفكيك تلك البنية الاجتماعية المتخلفة سبيلاً لإعادة تشكيلها.

إنه رهان كل صنوف الحداثات القومية والوطنية والشيوعية نفسه، رهان على الدولة محركاً للتغيير بخلفية احتقار وعي الشعب كما هو في الواقع، ودمغه بالتخلف وبالرجعية والطائفية بما يسوِّغ إخضاعه للجراحات الضرورية.

غير أن حسن الترابي ليس فقط رجل دولة حديثة تحتل الدولة مركز فكره مثل سائر الحداثيين، ويسهل عليه تسويغ ما تقرره الدولة من جراحات على الجسم الاجتماعي المتخلف بما يقيم شبها بينه وبين ناصر وسوكارنو وبورقيبة وصدام والقذافي بل إنه أيضاً حقوقي ومناضل من أجل الحرية ومن أجل المبادرات الفردية وسلطة مؤسسات المجتمع المدني والشورى والديمقراطية، وهو كلما اصطدم مشروعه الحداثي للدولة بصعوبات حقيقية هنا أو هناك تذكر الجانب الآخر من شخصيته مدافعاً عن الحرية والشورى ومبادرات الفرد والمجتمع فيهم بالنهوض من كبوته ليصلح ما أثمر تدبيره ومشورته من مفاسد وإخلال، ولكن يكون الوقت قد فات.

فالدولة الحديثة ليست لعبة يستخدمها هذا أو ذاك ثم يلقي بها جانباً، إنها كفيلة بصناعة رجالها المرتبطين بها مصيرياً والمستعدين لأن يفعلوا كل شيء من أجل استمرار سطوتها واستمرار المصالح الخاصة للرجال الذين ظنوا أنهم يوظفونها فوظفتهم.

ولقد أحسن الترابي التعبير عن هذه الحقيقة في قناة الجزيرة إذ قال: «لقد أرسلنا رجالنا إلى الدولة لتوظيفها، فلما اختلفنا معها انحازوا إليها وتركونا».

لقد أدرك الترابي المأزق الذي قاد إليه مشروعه والمتمثل في تحويل مشروع إسلامي يبشر بالحرية والشورى ويقود حركة التجديد في الحركة الإسلامية المعاصرة في اتجاه التأصيل لسلطة الشورى والمؤسسة وسلطة المجتمع المدني، تحوّل ذلك المشروع إلى حكم سلطوي قامع وتحولتْ طائفة كبيرة من رجاله إلى رجال دولة في حكم مستبد، يزاحم كثيرٌ منهم لنفسه ولأسرته على المشاريع التجارية والشركات والمناصب والمصالح، ويبذلون ما بوسعهم للاستئثار بالمناصب والمصالح لأنفسهم وأبناء قبائلهم.

لقد عزم على العود بمشروعه التجديدي إلى أصله وربما الوصول إلى غلق القوسين اللذين فتحهما الانقلاب والقبول بمشاركة الآخرين ضمن احترام آليات الحكم الديمقراطي المتعارفة، فسن لذلك دستوراً لدولة تعددية تحترم فصل السلطات بل توزع فيها السلطات على نطاق واسع على الولايات فتكون لها برلماناتها المنتخبة وتنتخب حكامها، وبدأ التداول حول هذا الدستور إلا أن القائمين على الدولة من تلاميذه أدركوا أن المشروع يتجه إلى سلبهم سلطاتهم المطلقة فرجوه إرجاء المشروع إلا أنه مضى إلى البرلمان الذي يترأسه مستهيناً بما غرست يداه، فوجد أبواب البرلمان موصدة وأبواب السجن مفتّحة تحتضنه.

ذلك هو المشروع الإسلامي في السودان؛ هو امتداد لعجز أصيل في تاريخنا السياسي، العجز عن إدارة الاختلاف سلمياً والمسارعة إلى سيف الحَجاج، أو أدوات الدولة العنفية والإقصائية لإقصاء الآخر، ولم تشذ تجارب الحكم في بلاد العرب - خصوصاً - على اختلاف إيديولوجياتها من ليبرالية واشتراكية وإسلامية عن هذا النهج بما يؤكد استمرار فعل التاريخ فينا جميعاً بالمسارعة إلى نقل الاختلاف من مستواه السياسي - وكل منازعاتنا الكبرى كانت خلفياتها سياسية تنازعاً على السلطة - إلى ضرب من ضروب تكفير الآخر، فإذا كانت الثقافة الدينية هي السائدة فالمخالف ضال أو مبتدع أو كافر أو خارجي أو صاحب فتنة.

وإذا كانت الثقافة السائدة ثقافة وطنية فهو خائن للوطن، وإذا سادت الثقافة التقدمية فهو رجعي عميل للإمبريالية، وكلها ضروب من التكفير تهرباً من مواجهة الحقيقة التي تقول إن اختلافنا حول السلطة ولكن ليس بأدوات سياسية سلمية تعترف بالتعدد وبحقوق في الوطن متساوية وفي حق المشاركة في السلطة.

التجربة التركية

* وكيف يمكن الحديث عن التجربة التركية لاسيما بعد ما تشهده من امتداد في ظل قيادة أردوغان، وما مبرر اعتبار هذه التجربة إسلاميةً، مع أنها لم تحمل - مثل غيرها - مشروعا لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

** يمكن الحديث عن التجربة التركية إن في عهد نجم الدين أربكان مؤسس الحركة أو في عهد تلميذه أردوغان. ويمكن تناول هذه التجربة من خلال النقاط التالية:

- إن مبرر اعتبار هذه التجربة إسلاميةً مع أنها لم تحمل مثل كثير من أخواتها مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية هو أن إسلامية مشروع للحكم لا يتحدد بحجم ما يطبقه أو يدعو إلى تطبيقه من البرنامج الإسلامي، ذلك أن الإسلام ولئن كان منهج حياة شاملاً من حيث المبدأ فهو عند التطبيق يخضع لقانون الممكن " لا يُكَلفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها"، وفي الحديث: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

- وإنما تتحدد إسلامية مشروع بما يعلم عن حَمَلَتِهِ مما يحملون من معتقدات وما يتربون عليه من قيم وأخلاق والتزامات وما ينسبون أنفسهم إليه من مذاهب وأيديولوجيات. وهذا الأمر - إذا نحن نأينا بأنفسنا عن الجدل العقيم واقتربنا من العرف السياسي - كفيل بأن يدلنا بوضوح وبكل يسر على تصنيف واضح متعارف عليه بين عامة الناس وخاصتهم؛ تصنيفٍ للأحزاب الرئيسية ونوعية الأيديولوجية القائمة عليها.

فإذا أطلق اسم الحركة الإسلامية في مصر، فسينصرف أولاً إلى الإخوان المسلمين، وإذا أطلق في اليمن سينصرف إلى الإصلاح؛ وإذا أطلق في تونس فسينصرف إلى النهضة؛ وإذا أطلق في تركيا سينصرف إلى هذا التيار الذي ظل يتبلور منذ أربعين سنة على يد أربكان وتلاميذه ومن أشهرهم أردوغان.

فهذه مدرسة متميزة في التيار الإسلامي عرفت من بين المنتظم الإسلامي التركي بمرجعيتها الإسلامية وهي تصرح بذلك ضمن السقوف التي تتحرك تحتها ومنها السقف العلماني، حيث لا يسعها أن تتحدث عن الإسلام أكثر من كونه ثقافة وتراثاً. فهل تسلب عن أهلها الصفة الإسلامية مع ما عرفوا به وأوساطهم الأسرية من حرص على الالتزام بأخلاقيات الدين وشعائره وإيمانهم بمشروعه الشامل؟ ولم يعرف عن واحد منهم طرحه لنظرية في الإسلام تنكر جزءاً من شريعته وتنقل ممارستها الإسلامية المحدودة بسقف العلمانية، إلى تنظير ينكر الشريعة، ومن ادعى ذلك فليأتنا بنص واحد صادر بيقين عن رمز من رموز هذا التيار.

هل لأنهم عندما حكموا لم يطبقوا كل المشروع الإسلامي تسلب عنهم الصفة الإسلامية؟ ومن ذا الذي يقدر أصلاً على تطبيق الإسلام كله في زمن هذا الاستضعاف!؟ وهل كلفنا الرحمن الرحيم بما يرهقنا ويتجاوز ما نطيق؟ كلا. هل تسلب الصفة الإسلامية عن الزعيم البوسني عزت بوغوفيتش رحمه الله لأنه حكم فلم يطبق الشريعة؟

هل يعامل الطيب أردوغان وحزب العدالة بالتقدير نفسه الذي يعامل به أستاذه أربكان من حيث إنهما زعيمان إسلاميان؟

لا مسوغ للخوض في الخلافات التي لا تمس جوهر المشروع الإسلامي والتي أفضت إلى انفصال غالبية الحزب عن المؤسس. إن انشقاقاً بهذا الحجم لا يمكن إلا أن تكون له مبررات موضوعية.

ورغم أن قيمة الوحدة راسخة في قيم الإسلام وفي هوى كل مسلم إلا أن الاختلاف بين البشر سنة ثابتة وعلينا معشر المسلمين أن نروّض أنفسنا ترويضاً على النظر إلى الاختلاف على أنه سنة ثابتة وليس شذوذاً عن الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، وأنه إذا كانت الوحدة مطلوبة وهي الوجه الآخر للتوحيد فهي ليست تلك الوحدة البسيطة الصماء التي لا عوج فيها ولا أمتا؛ فذلك مما تفرد به المولى سبحانه، إنه الواحد الأحد أي واحد من كل وجه، بينما الوحدة التي انتدبنا إليها الشارع ولا بد أن نسعى إليها هي وحدة نسبية؛ أي وحدة فيما نتفق عليه مع بقاء أوجه للاختلاف يعذر بعضنا بعضاً فيها ونتراحم فيها.

وطالما نقلنا موروثنا الفقير في ثقافة الاختلاف وإدارته سلمياً من الوحدة الصماء إلى القطيعة والاستنفار للتحارب كلما اختلفنا. ولو أننا تركنا اليوم جانباً ما يرمي رفقاء الدرب الإسلامي في تركيا بالأمس بعضهم بعضاً، وتفحصنا ملياً فروق السياسات التي سلكها الأستاذ بالأمس عندما حكم وقارناها بالتي ينتهجها التلميذ اليوم لوجدناهما في المحصلة يتحركان تحت ذات السقف.

فكلاهما التزم بثوابت السياسة التركية في الاقتصاد والعلاقات الدولية والإقليمية، مثل العلاقة مع الحلف الأطلسي ومتابعة السير نحو أوروبا، والعلاقة مع الكيان الصهيوني، مع أنه يسجل للتلميذ نجاح أكبر في محاصرة العسكر، وتحسنت أوضاع حقوق الإنسان بما لا سابق له في أي عهد من عهود الجمهورية؛ وكفت أيدي العسكر إلى حد بعيد؛ وناور أردوغان مناورات ذكية أنجت تركيا من التورط في المستنقع العراقي.

ولأول مرة تبدي تركيا علناً معارضتها لإسرائيل، فتسحب سفيرها احتجاجاً على فظائع الصهاينة في غزة، وكان ما كان من إرسال أسطول الحرية لفك الحصار عن القطاع، كما تحقق نمو معتبر في العلاقات التركية – العربية، وبالخصوص مع سورية حتى طالبت تركيا بالعضوية الشرفية في الجامعة العربية.
نحن إذاً أمام مشروع إسلامي واحد يتحرك بذكاء ضمن المتاح؛ لتحقيق أهداف الإسلام تدرجاً... ألم تتنزل شرائعه منجّمة؟

* كيف تقيم التجربة التركية بين التجارب الإسلامية الثلاث التي عرضتها؟

** تعد التجربة التركية هي الأرشدَ بين التجارب الإسلامية الثلاث التي عرضناها باختصار. وربما يعود السبب الرئيسي إلى أنها تحركت ضمن إطار منضبطِ لمجال المغامرة، والطموحاتُ فيه محدودة بما حد من الرغائب الثورية المجنحة، والأخيلة الجامحة التي قد تغري المتربع على عرش السلطة في لحظات انفعال أن الشعب الذي بين يديه بل العالم من حوله صلصال يمكن لجهاز الدولة العتيد أن يعيد تشكيله كما يشاء؛ كما فعلت كل الثورات التي مرت بالمنطقة ومنها الثورية السودانية الإسلامية؛ لكنها تكتشف - وغالباً بعد فوات الأوان - أن هويات الشعوب تأبى على جهاز الدولة مهما عتا أن يفككها؛ بل هي ترد الفعل فتزداد انغلاقا.

ولن أتعرض هنا لتجربة تطبيق إسلامي أعقد هي التجربة الإسلامية في إيران، فهي ذات خصوصية تحتاج إلى فسحة أكبر.

غير أن من دروس هذه التجارب المستفادة أن التدرج في التطبيق الإسلامي بعد غربة طويلة أجدى وأن تمركز الجهد على إصلاح الإنسان ومؤسسات المجتمع أولى من التمركز حول الدولة وعدِّها أعزَّ مطالب الحركة الإسلامية، فأعز مطالب الإسلام وبالخصوص ضمن الظروف الدولية القائمة هو مطلب الحرية قيمةً إسلامية كبرى وبوابةً رئيسة لكل إصلاح.
وخير من الانفراد بالحكم ولو كان ذلك مقدوراً عليه انتخابياً فالمشاركة فيه – إذا كان ولا بد منها- خير من تحمل مسؤوليته باستقلال.


مفهوم الإسلام السياسي

* هذا الكلام يدفعني للسؤال عن مفهومكم للإسلام السياسي؟ وهل لا بدّ له بالضرورة أن يختلف ويتعارض مع الإسلام التقليدي، إن صحّ التعبير؟

** الإسلام من جهة مصادره واحدة؛ وهو ما أجمع عليه المسلمون على امتداد الزمان والمكان عقائد وأركاناً وشعائر وأخلاقيات، ثم يأتي الاختلاف في سياق هذه الدائرة والمعالم الكبرى، وقد يضيق الإسلام في مفهوم بعض المسلمين حتى يقتصر على عدد من الشعائر المفصولة من الجسم العام للإسلام، وقد تضيق أكثر من ذلك فتقتصر على مجرد الانتساب الشكلي أو الجغرافي.

وربما ذلك هو ما يعرف بالإسلام التقليدي مقابل الإسلام الحركي أو السياسي الذي نظر للإسلام بعدِّهِ منهج حياة؛ تمتزج فيها العقيدة بالعبادة وبالمعاملات وبسائر مناهج الحياة، لأنَّ الإسلام ليس مجرد دين؛ وإنما دين وأمة وحضارة وثقافة ودولة.

والحقيقة أنه قبل مرحلة تعرض الأمة لمصيبة الاحتلال الأجنبي، وتفريخ أجيال من النخبة منفصلة عن روحها ضائقة ذرعاً بانتسابها لهذه الأمة مراهنة على تفكيك هويتها وإعادة تشكيلها على صورة الغرب، قبل أن تبتلى الأمة بمثل هؤلاء ما كان أحد من نخبة المسلمين ولا من عامتهم يشكك في أن الإسلام - كما يقول ابن القيم - روح عامة تجري في كيان المسلم الفردي والجماعي سريان الماء في العود الأخضر.

وإذا كان الجهل والانحطاط قد قلّصا ظل الإسلام فانحسر عن جملة ميادين الحياة التي كان يغطيها؛ فقد عملت الحركة الإصلاحية منذ قرنين على تحرير أشرعة سفينته من كثير من القيود التي تكبلها، فعاد الإسلام ينشر ظلاله على مساحات واسعة من حياة المسلمين كانت مذاهب العلمنة قد زحزحته عنها، وذلك هو المعنى الأساسي للإسلامية أو لما يسمونه الإسلام السياسي مقابل الإسلام التقليدي؛ ولك أن تقول التدين الانحطاطي المصادم لجوهر عقيدة التوحيد الأساس الأعظم للإسلام التي تحمل للمسلم توجيهاً في كل مجالات الاعتقاد والفكر والشعور وسائر علائقه ومسالكه ترجمة لهذا البيان الإلهي العظيم الذي يلخص رسالة الإسلام التوحيدية " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"،

وذلك هو جوهر صراع الإسلام مع العلمانية، فهي تناضل من أجل إرساء عالم محوره الإنسان،حيث يمكن لضرب من صورها المعتدلة أن يسمح للدين فيه بمكان هامشي شريطة قبول هذا الأخير بجملة من الجراحات تعيد صياغته بما يتوافق مع أنموذجها، بينما جوهر رسالة الإسلام وكل النبوات الدعوة إلى إرساء عالم محوره الله جل جلاله بارئ الأكوان ومكرّم الإنسان بالاستخلاف على كل شيء؛ لله عليه سيادة كاملة ثم تكون للإنسان السيادة في الكون، فكل شيء من أجله خلق، أما هو فمخلوق لله، ويجب أن يمارس سلطانه في الكون ضمن سيادة الله المطلقة التي جاءت النبوات ترجماناً عنها وختمت بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

ولذلك أحسن الإمام البنا أحد الآباء المؤسسين للمشروع الإسلامي الترجمة المعاصرة عن هذا التصورإذ رفع شعار: القرآنُ دستورنا؛ أي المصدر الأعلى للقيم وللتشريع، في إطاره يجب أن تتحرك سلطة العقل في الاجتهاد والتشريع وكل سلطة أخرى في أي مجال، إلا أن التوحيد الإسلامي لم يتجسد في فرد ولا في مؤسسة للتعبير عن الحقيقة المطلقة بما يجعل سلطة تفسير النصوص مفتوحة وقابليات التعدد الاجتهادي بلا عدد، تفاعلاً مع ما يستجد من علوم ومعارف ومشكلات.

وعندما يتعلق الأمر بقرار يخص الجماعة فيمكن الاسترشاد بأفضل سبيل متوافر للتعبير عن مصلحتها واتجاهها العام بما يدرأ سوءة الاستبداد وانفراد فرد أو أفراد بالقرار الذي يخص الجماعة، مما هو النقيض من كل وجه للشورى التي تجد في أساليب الديمقراطية المعاصرة في الوصول إلى القرار الجماعي ودرء منكر الاستبداد آلية مناسبة جدا قابلة للتطور الدائم.

ذلك هو الفرق الأساسي بين التدين الانحطاطي أو التقليدي وبين التدين الذي ما فتئ الإصلاحيون الإسلاميون على اختلاف اتجاهاتهم يكافحون من أجله منذ أزيد من قرنين، التدين قاوم باسم الإسلام ولا يزال الاحتلال الغربي، وفي الداخل تصدى للاستبداد وعبأ الأمة لمواجهة التجزئة المفروضة سعيا نحو الوحدة، وقاوم ما أشاعه الانحطاط من سلبية قدرية وتزهيد في العمل الدنيوي، وميل إلى الانطواء على الذات ونفور من السياسة والعمل الجماعي لتغيير الأوضاع الفاسدة واجهة التحديات. هذا التدين التقليدي بحكم سلبيته يجد التشجيع من الحكام الظلمة، وحتى من دعاة الحداثة بمن فيهم العقول التي توجه السياسات الدولية مثل مؤسسة راند التي نصحت صناع السياسة في الدولة الأعظم بتشجيع التدين التقليدي والتدين الصوفي.

الإسلاميون وقضايا الحوار

* هناك دعوات كثيرة للحوار بين التيار الإسلامي والتيار العلماني، ما هي برأيك أسس هذا الحوار كي يكون فاعلاً؟

** الحوار مع العلمانيين تجاوز مرحلة الحديث والدعوة والإقناع. هناك مؤسسات اليوم ليست لمجرد الحوار وإنما للعمل المشترك بين التيارين القومي العلماني وبين التيار الإسلامي ولك أن تقول القومي الإسلامي مثل مؤسسة المؤتمر القومي الإسلامي ومؤسسة الأحزاب العربية، ذلك على الصعيد القومي.

أما على الصعيد القطري فهناك حجم من التنسيق والتعاون لا بأس به بين التيارين في الأردن مثلا وفلسطين واليمن وسورية والعراق والجزائر ولبنان وموريتانيا.. وبقدر أقل في تونس ومصر.. سواء أكان ذلك التعاون في الهموم القُطرية مثل قضية الدفاع عن الحريات في مواجهة تغول الدولة واستبدادها بالجميع، أم كان في مواجهة الفساد المتفاقم والتفويت المفروض في القطاع العام لصالح الرأسمال الدولي ووكيله المحلي، ضمن سياسة التفريط فيما تبقى من استقلال البلاد دخولاً في الأحلاف وتطبيعاً مع العدو الصهيوني.

وعلى الصعيد القومي والدولي تصديا للهجمة الدولية على الأمة في أشكال مختلفة، ونضالاً من أجل وحدة بلاد العرب ودعم التضامن والتعاون بين المسلمين، ودعم قضايا التحرر في مقاومة الاحتلال في فلسطين والعراق.

المطلوب الارتفاع بمستويات هذا التعاون على أساس الاعتراف للجميع بحقوق المواطنة المتساوية وبالديمقراطية آليات لتنظيم وإدارة الشأن العام، والاعتراف بالإسلام مقوماً أساسياً لهوية الأمة واستقلالها الفكري، واعتبار وحدة بلاد العرب هدفاً استراتيجياً مشتركاً، وكذا التصدي للهيمنة الدولية ولتدمير الطبيعة ومقومات الحياة، ممّا يفرض التعاون مع القوى التحررية في العالم مثل القوى المناهضة للعولمة وللقوى الشيطانية المصممة على نزع كل قداسة عن أي شيءٍ في الحياة وتدمير الأسرة والإنسان واختزاله في غرائزه.

تلك مجالات واسعة للتعاون بين التيار الإسلامي والتيار العلماني والقومي ومع أهل الديانات الأخرى كما حصل في مؤتمرات السكان من تعاون بين الأزهر وقوى التيار الإسلامي وبين الفاتيكان في الدفاع عن الأسرة تصدياً لتيارات التفسخ والدعوة إلى الجنس الآمن و«الأسرة المثلية»!!.

* كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الحوار بين الأديان وعقد أكثر من مؤتمر لهذه الغاية.. ما رأيكم في هذه المسألة وما هي أبعادها وآفاقها؟

** اعترف الإسلام منذ لحظة التأسيس بالتعدد الديني، وخص أهل الكتاب بمعاملة خاصة وأفسح أمامهم منزلة المواطنة « الذمة» فكان لهم الإسهام المقدّر في بناء حضارة الإسلام ودولة الإسلام.

غير أن الآخرين لم يبادلوه الاعتراف بل ظلوايطعنون في كبريات يقينياته من أنه دين منزل مثل دياناتهم ومن ذات المصدر. لم يفرض عليهم الاعتراف به شرطاً ليعترف بهم أو لتمتيعهم بحقوق المواطنة وذلك من سماحته، بينما هم ينظرون بل يصرحون بأنه مجرد هرطقة، واستمروا على ذلك حتى يوم الناس هذا.

ومن ذلك أنه على إثر إحدى ندوات الحوار الإسلامي المسيحي اليهودي دار نقاش حول صيغة اقترحها الطرف الإسلامي في مشروع البيان الختامي تنص على أن ممثلي الديانات السماوية الثلاث يدعون... فاعترض طرفا الحوار على هذه الصيغة معللين ذلك بأنهما لا يؤمنان بسماوية الإسلام، وهو ما جعل الحوار غير متكافئ بل مختلاً، بما تأثّل في الثقافة المسيحية واليهودية من روح العداوة والاحتقار للإسلام وأهله والرغبة في العدوان عليهما، حتى ما يكاد يمر أسبوع دون أن تصدر عن جهة يهودية أو مسيحية إهانة أو تدنيس لأحد مقدسات الإسلام بالقول أو الفعل، فهذا يكتب آيات من الكتاب العزيز على حذاء وآخر يرسمها على ملابس نسويّةٍ داخلية وثالث يدنس المصحف وخامس يهدد بقصف الكعبة المشرفة وخامس يكتب اسم الرسول عليه الصلاة والسلام على رأس خنزير.... بينما لا تلاقي مقدسات اليهود والنصارى وحتى الوثنيين لا تلاقي من المسلم غير الاحترام.

فأي حوار مع من لا يعترف بك !؟، ثم إنهم كثيراً ما يعمدون إلى اختيار محاوريهم من بين مسلمين متفسخين ليسمعوا منهم عن الإسلام ما يريدون. لقد اعتذرت البابوية لكل من أساءت إليهم إلا المسلمين الذين أفتت بإبادتهم في إسبانيا، ولم تخفف عنهم وطأةَ ما أصابهم بشطر كلمة أسف.

ولئن كان الوجود المسيحي في الشرق تم بحماية الإسلام وفي ظل حضارته فإن دخول الإسلام إلى أوروبا لم يكن من بابها؛ بل من باب تنحيها عن سدة السيطرة لصالح العلمانية. إنها الضرورات الاقتصادية وليست السماحة الدينية. ومع ذلك دعوة الإسلام إلى التعاون مع كل البشر على ما فيه خير البشرية في القضايا المشتركة لا تستثني جهة بما في ذلك أهل الديانتين.


الحلقة 4: الإسلام استوعب الحداثة وفق شروطه
أجرى الحوار :وحيــد تاجـــا


أكد المفكر الإسلامي التونسي الشيخ راشد الغنوشي - في حواره المطول مع "إسلام أون لاين " - أن المشروع الإصلاحي الوسطي يظل العمود الفقري للفكر الإسلامي المعاصر، كما تحدث عن الخطاب الإسلامي وعلاقته بالحداثة ومدى تقبله الآخر.

وأكد أن الاجتهاد في عمقه هو تفاعل بين الثابت والمتطور لتطوير الحياة ولحفظ حيوية الدين وصلاحيته واستمراره، مشيرا أن حركة الاجتهاد في الأمة الإسلامية تشهد نموا مضطردا خاصة في القرنين الأخيرين.

وأكد الغنوشي في حواره أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تمكن من استيعاب الحداثة على شروطه على خلاف التجربة الغربية التي تم فيها استيعاب المسيحية وفق شروط الحداثة.

وأشار الغنوشي أن الإصلاحية الإسلامية في العصر الحديث سعت إلى تأسيس لمجتمع مدني متطور ومستقل عن الدولة رغم ضيق هذه المساحة نظرا لأن الدولة ليست الفكرة المركزية في رؤيتها.


* هل نستطيع القول إنَّ هناك خطاباً إسلامياً معاصراً، له ميزات تختلف عن الطرح التقليدي ؟
** الإسلام رسالةَ الله الخاتمة إلى خلقه، وهو الأعلم بهم،والأقدر على تلبية حاجات الناس في كل أحوالهم وأزمانهم شريطة أن يحسنوا إجراء التفاعل الرشيد الدائب بين نصوص ومقاصد تلك الرسالة من جهة؛ وما يستجد من علوم ومعارف ومشكلات، بهدف التوصل إلى أنجع الحلول المناسبة لها من جهةٍ أخرى، بما يوفرمجال العمل لسنة التطور الضرورية لرقي الحياة ولكن ضمن الاتجاه العام لثوابت الدين ومقاصده.

عملية التفاعل هذه بين الثابت والمتطور الضرورية لتطور الحياة وحيوية الدين واستمراره هي بالضبط ما يعرف في الثقافة الإسلامية بالاجتهاد الذي عليه تتوقف حياة المسلمين- بحسب مداه- رقياً واستقامة أو انحرافاً وجموداً. وعلى الرغم من أنه لم يخل عصر من مجتهدين مجددين إلا أنهم كانوا يكثرون في عهود تطور الأمة وتحضّرها، ويقلّ عددهم وإبداعهم في عهود تخلّفها وانحطاطها.

الثابت أن الأمة تشهد منذ قرنين على الأقل نمواً متواصلاً لحركة الاجتهاد استجابة للتحديات التي واجهتها وتواجهها، وكان ولا يزال على رأسها تحدي الاحتلال الغربي بأبعاده المتشابكة التي تتجاوز المستوى العسكري المتفوق لتطال الأنموذج الحضاري بأبعاده الفلسفية العلمانية ومناهجه العلمية وأنماطه الحياتية وتنظيماته السياسية والإدارية والقضائية والثقافية الحاملة لتحدٍّ خلاصته تقول :" أيها المسلمون سبيلكم الوحيد للتقدم ولتكونوا لنا أنداداً اكتساب العلوم والمعارف والتقنيات، أن تفكروا كما نفكر وترتبوا أنماط حياتكم كما رتبنا، حتى وإن اقتضى الأمرإقدامكم على إجراء جراحات ضرورية على ديانتكم ومواريثكم كما فعلنا نحن مع عقائدنا ومواريثنا. لا مناص لكم من دفع هذا الثمن" !!.

وما لبثت أن رددت هذا التحدي ذاته ثلة من أبناء المسلمين متأثرين بمنطق الغالب، فكان الخطب شديداً، ولم يكن بد من أن ينبري لهم من علماء الإسلام ومفكريه ودعاته من يرد غائلتهم؛ ويذب عن الملة وعن حضارة الإسلام عن طريق التأسيس لخطاب إسلامي حديث؛ يرسم الحدود بين ما يجوز «اقتباسه» من حكمة الأمم الأخرى - مما يتوافق مع تعاليم الدين ومقاصده وثبت نفعه - وبين ما هو من الخصوصيات الثقافية لأقوام آخرين تصادم قيم ديننا ومقاصده، بل هو عند التحقيق لا ينهض على قواطع من حقائق العلم والتجربة، مما نحن في غنى عنه، والبديل عنه موجود عندنا أو يمكن استنباطه بضرب من الاجتهاد أو استنباته.


سمات الخطاب الإسلامي المعاصر

*هل يمكن الحديث عن سمات لهذا الخطاب الإسلامي المعاصر ؟

** يمكن القول اليوم بعد قرنين من التفاعل مع تحدي الحداثة الغربية في أبعاده العسكرية والحضارية:

أ- إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تمكن من استيعاب الحداثة على شروطه، «مقتبساً» الحقيقي والصالح من كسبها، محتفظاً بشخصيته المستقلة، لأنه الميزان الأعلى للحق والباطل وللخير والشر، وبذلك أمكنه تهميش أيديولوجيات التحديث بمختلف مسمياتها اليمينية واليسارية التي طمحت إلى هضمه وزحزحته عن عرش سيادته " وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" ، وذلك خلافاً لما فعلته بالديانات الأخرى التي أخضِعت لشروط التحديث فأعيد تشكيلها وفقها، ما دفع الدين إلى هامش الحياة حتى أمكن في مجتمعات مسيحية عريقة التشريعُ لعلاقات زواج مثلي حتى بين القساوسة، بل والحديث عن قس لا يؤمن بالله!!

ب- إن جهود الإصلاح الإسلامي أقامت بفضل الله عملية إحياء ديني واسعة حفظت للمسلمين- أو أعادت لهم - ثقتهم المطلقة في الإسلام منهاجاً للحياة؛ شاملاً صالحاً كفيلاً بأن يقدم لهم كل ما هم في حاجة إليه من قيم وموجهات وتشريعات وفلسفة ونظم للحياة؛ إذا هم أحسنوا التفكر والتزموا بمناهج الاجتهاد المعتبرة.

ج- وكان من نتائج ذلك إحياء مبدأ الجهاد في الإسلام الذي بعث في الأمة من أقصاها إلى أقصاها قوى للمقاومة نجحت في تعديل ميزان القوة المختلة لصالح الأعداء، فما لبثت أن ردت جيوشهم الجرارة المتفوقة، على أعقابها تجرر أذيال الهزيمة، وما بقي اليوم من ذيولها فهو تحت النار، تنصب عليه سهام المجاهدين ولن يكون له من مصير غير ما كان لأسلافه من تولي الأدبارمحسوراً.

د- كما كان من نتائج تلك العملية الإصلاحية الضخمة إنجاز تطويرات مهمة لمختلف مناهج الفكر والبحث العلمي والتعليم والسياسة والاقتصاد والفنون والآداب على نحو أمكن معه للمسلم أن يعيش عصره في توافق تامٍّ مع دينه، فما يزيده اطلاعه وحتى تخصصه في أدق علوم العصر إلا إيماناً وثقة في صلاح الإسلام، وهو ما رجح جانب التيار الإسلامي في مختلف جامعات العالم الإسلامي وحيثما وجد مسلمون، على مختلف التيارات التي كان لها شأن ولوّحتْ بوعود التقدم وتحرير فلسطين وتوحيد الأمة، ثم ما لبثت أن ظهرت عليها شمس الحقيقة خيبة في كل المجالات فتفشت فيها عوامل الشيخوخة أسوة بمرجعياتها الغربية اليمينية واليسارية.

الإسلام والحداثة

* كيف ترى علاقة الإسلام بالحداثة وكيف انعكست على خطابه ؟

** في هذا الصدد طوّر الخطاب الإسلامي الحديث ثقافة نقدية للحداثة أبرزت ما فيها من معرفة حقيقية ومن نتائج كارثية على جملة العلاقات البشرية وعلى البيئة ذاتها، وهو طور من الخطاب الإسلامي أفاد من خطاب ما بعد الحداثة في سياق إسلامي تجاوزاً لخطاب إسلامي ساد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى زهاء منتصف القرن العشرين غلب عليه التوفيق بين الإسلام والحداثة الغربية بما جعله لا يخلو من قدر من الإعجاب بالمنجز الغربي، مدفوعاً إلى الحرص على إثبات توافق الإسلام معه ما أمكن ذلك، وهو الخط العام لإصلاحية الشيخ محمد عبده، بينما الخطاب الإسلامي غلب عليه مع سيد قطب والمودودي المنزع النقدي للأنموذج الغربي، غير أن الزاد المعرفي المتخصص في فكر الحداثة الغربية وما بعدها لم يبلغ من العمق ومن استخدام أدوات البحث العلمي أوجاً متقدماً إلا مع خطاب إسلامي أحدث عهداً، يعدّ الدكتورعبد الوهاب المسيري أهمَّ ممثليه في الفكر الإسلامي الحديث؛ وبالخصوص في موسوعته النقدية: «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة».

*هل ترى أن الإصلاح الإسلامي اقتصر على تطوير الخطاب فقط ؟

** لم يقتصر الإصلاح الإسلامي بالطبع على تطوير الخطاب، بل مضى أبعد من ذلك إلى التأسيس لمجتمع مدني متطور مستقل عن الدولة رغم ضيق هذه به ودأبها على تحجيمه وحتى على استئصاله أحياناً؛ إما على خلفية حداثية فاشية متعالية تستخدم أدوات الدولة الحديثة لقمع خصومها المعارضين واستمرار استئثارها بالثروة والسلطة، كما هو حال معظم النخب الحداثوية المحتكرة للسلطة والثروة والثقافة عن طريق السطو على جهاز الدولة واستخدامه في تفكيك الهوية وتأبيد السيطرة قمعاً للداخل وولاء مطلقاً للخارج بما في ذلك المشروع الصهيوني.

ومن نماذج هذا «الموديل» أنموذج الحداثة التونسية والجزائرية، المستأثرة منذ نصف قرن بالسلطة والثروة،إما اتكاء على شرعية التحديث المزعوم، وإمّا عزواً إلى خلفية ثورية أو عروبية تحريرية وحدوية شأن سورية والعراق البعثيين ومصر الناصرية.

لقد مثل غياب الخلافة صدمة في الوعي الإسلامي العام ما لبث أن دفع إلى البحث الناصب عن بدائل للاجتماع الإسلامي الطوعي؛ فكانت الأحزاب الإسلامية والجمعيات الخيرية والمدارس الإسلامية والنقابات والمكتبات ومنظمات الشباب والجمعيات النسويّةُ والأزياءالإسلامية النسوية والآداب والبنوك والشركات الإسلامية.

وما لبث الإصلاح الإسلامي بشقيه النظري والمؤسساتي أن تحول إلى مد كاسح مع اشتداد الهجمة الدولية على الأمة وتخاذل الحكومات القائمة المتهمة في دينها وولائها ونزاهتها عن القيام بواجب الدفاع عن الأمة، هذا المد الكاسح لم يقف عند حدود دار الإسلام؛ حيث لم يوفر مجالاً لم يقتحمه، حتى ما عاد يرتاب دارس لشؤون المسلمين في أن التيار الإسلامي هو القوة الشعبية الوحيدة التي يحق لها الحديث باسم الأمة وإجماعها، حتى وصف (لويس كانتوري) مستوى الأسلمة في مصر- مثلاً - بأنها أسلمت حتى الرقبة.

تشهد على ذلك كل مناسبة انتخابية تتوفر على حيز من الصدق، فتأتي شاهدة على هذه الحقيقة، بما يؤكد النجاح القَيِّمَ للمشروع الإصلاحي الإسلامي حتى و

تعليقات الزوار 0 | إهداء 1 | زيارات 3091


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.60/10 (41 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com