الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
مع الحركات الإسلامية في العالم .. رموز وتجارب وأفكار
مع الحركات الإسلامية في العالم .. رموز وتجارب وأفكار
07-30-2011 05:54
الدين والسياسة - خاص - عرض: عبد الرحمن يوسف

يعتبر كتاب مع الحركات الإسلامية في العالم للباحث المتخصص في شئون الحركات الإسلامية حسام تمام هو حصاد رحلات قام بها خلال ثلاث سنوات في الفترة من 2005 وحتى 2008 سجل فيها معايشته وملاحظاته من خلال الاقتراب المباشر من الحالة الإسلامية الحركية والفكرية لشخصيات وجماعات تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل بلدان العالم الإسلامي "التي تنشط فيها أهم الحركات الإسلامية سواء من حيث القوة والتأثير أو من حيث القدرة على الاجتهاد أو التجديد".

وعلى الرغم من مرور عامين على عمر نشر الكتاب الذي يقع في 235 صفحة من القطع الكبير إلا أن أهمية التعريف به وعرضه الآن بصورة موسعة تأتي من خلال ما تمر به المنطقة العربية والإسلامية من هبوب لرياح التغيير التي أتت ثمارها في بلدان مثل تونس ومصر وأخرى تنتظر ،

وكان من بين أبرز ما نتج عن هذه الرياح هو عودة الحركات الإسلامية لصدارة المشهد كطرف مشارك وفاعل في الحالة السياسية والاجتماعية ولكن هذه المرة دون قيود السلطة ومواءمتها.

فضلا عن أحداث أخرى تمر في العالم الإسلامي كالإعلان عن وفاة زعيم تنظيم القاعدة وأباها الروحي أسامة بن لادن في أوائل مايو الجاري، أضف إلي ذلك التقارب الحادث بين حركة حماس ومصر والمصالحة التي أنجزت بين الحركة وفتح ( إبريل / مايو) ، هذا مع التأثير المتنامي لتركيا في المنطقة على يد حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية.

كل هذه الظروف وغيرها تجعل الكتاب من الأدوات المهمة التي تمكن القارئ العادي والباحث على السواء من استنتاج وفهم المتغيرات التي قد تشهدها البلدان الإسلامية الفترة المقبلة وموقع الفاعل الإسلامي الفكري والحركي منها، من خلال دلالات واستخلاصات تتجاوز في كثير منها الحالة الزمنية لأحداث الكتاب.

والكتاب ليس مرتبا وفق ترتيب زمني محدد لذا فالعرض له سيكون عبر تقسيمه إلي ثلاث محاور هي: الرموز والتجارب والأفكار.

أولا : التجارب

1. تنظيم القاعدة

يتناول الباحث تنظيم القاعدة في ثلاث مقالات يوضح في الأولى كيف أن أمريكا وقعت فيما أسماه فخ القاعدة ويطرح فيها بعض الإشكالات التي تواجها في المستقبل والثانية تتحدث عن موقف القاعدة من رؤيتها لإدارة ملف الصراع مع أمريكا في وجود العنصر الإيراني والثالث يتناول قضية النفوذ المصري داخل قيادة القاعدة وهي القضية التي تبرز أهميتها بعد موت بن لادن وتناول تقارير لصعود مصري هو إلي سدة القيادة في التنظيم ، تبين منذ أيام أنه الظواهري وليس غيره كما ذهبت بعض التوقعات.

فعن فخ القاعدة يذهب الباحث أنه من خلال تتبع أن عددا من وثائق القاعدة التي يرجع تاريخها إلي النصف الثاني من القرن العشرين نجد أن القاعدة استطاعت استدراج الولايات المتحدة إلي التورط في صدام مع بلدان إسلامية عديدة عبر مواجهة مباشرة تقودها بنفسها وليس عبر وكلائها التقليدين إسرائيل والأنظمة العربية بحسب وثائق القاعدة، وهو ما وقعت فيه الولايات المتحدة "بحماقة" بعد نفذت القاعدة خططها من خلال ضرب الولايات المتحدة ضربة موجعة داخل أراضيها أفقدتها رشدها.

وفي ظل ذلك أثبتت القاعدة أنها قادرة على إدارة معركة إعلامية متقدمة حتى على مستوى الوسائط الحديثة كالإنترنت ، ناجحة في أن تحول طاقات الغضب والسخط إلي حركة موسعة ضد المشروع الأمريكي.

لكن رغم هذا يرى الباحث أن القاعدة تعاني من أزمات بنيوية تؤثر على قدرتها في أن تظل في واجهة المشهد ، وتتلخص هذه المشاكل في عدم حسمها بوضوح لقضية حرمة دماء أبناء الأمة والأبرياء من المدنيين بعكس حركات مقاومة أخرى حسمت هذا الأمر مبكرا مثل حماس والجهاد في فلسطين وحزب الله وهو الأمر الذي حال دون قدرتها على أن تنفتح على الجمهور.

المشكل الثاني هو خطابها الذي يصفه الباحث بأنه "يبدوا في كثير من تفصيلاته خارج التاريخ" فكثير ما يتحدث قادته عن مواجهة مع الصليبية العالمية والشيعة الروافض كأعداء الأمة ومن ثم تضيع طاقات التنظيم في معارك فرعية لا طائل من ورائها.

أما المشكل البنيوي الذي يمس الخطاب والمنهج فهو يتعلق بالتجنيد وتكوين عناصر التنظيم الذي يظل الرافد الأكبر فيه هو الرافد السلفي الوهابي الذي يجعل التنظيم أسير مأزق اللاتاريخية نتيجة أسره من قبل هذا عقل هذا الرافد.


وفي المقال التالي نجد تحليلا لخطابين ألقتهما القاعدة في ديسمبر / كانون الأول 2006 ألقاهما أيمن الظواهري ومن بعده تسجيل صوتي لأميرها في العراق يتحدثان فيه عن مأزق أمريكا بالعراق وأفغانستان فالظواهري يحذر أمريكا من أنها تتفاوض مع القوى "غير الحقيقية" للخروج من المأزق العراقي والأفغاني وأمير القاعدة في العراق يقدم عرض للإدارة الأمريكية "للخروج الآمن من العراق".

يحلل الباحث الخطابين ليصل إلي نتيجة مفادها أن القاعدة لم ولن تغيير خطابها الجهادي الثوري المقاوم إلي خطاب تفاوضي مع الولايات المتحدة لأن الأخير هو خطاب من يملك رؤية تتجاوز الجهاد إلي آخر مدى ورؤية مشروع سياسي فالذي تفعله القاعدة هو عرض هدنة من طرف واحد وإرسال رسائل تحمل معنى واحد أن مأزق خروج أمريكا لن تحله التحالفات السنية الراغبة في عقد تحالف أو قبول تسويات وأيضا الأمر ليس في يد محور سوريا وإيران – في إشارة إلي ما رددته بعض أجنحة الإدارة الأمريكية من ضرورة التفاوض مع هذا المحور -صاحب المشروع الشيعي الصفوي برأي القاعدة – حتى تجد خروجا آمنا

وبالتالي لا تحصد هذه الجهات ثمار معارك القاعدة التي ورطت أمريكا برأيها في مستنقع لا يمكن أن تخرج منه إلا بإذن من القاعدة وهو ما لن يحدث برأي الباحث لأن القاعدة تريد العراق على سبيل المثال ساحة مفتوحة للمواجهة الأمريكية.

وبالتالي فالقاعدة لا تخاطب إيران ولا تفاوض أمريكا إنما تبعث فقط برسائل تؤكد من خلالها أن مفاتيح الحل معها وأنها من يعرض الهدنة لا تُعرض عليها.

أما في المقال الأخير فهو يفسر أسباب التراجع المصري في تنظيم القاعدة سواء على مستوى الأعداد أو التواجد في المستويات الأعلى خلال السنوات الماضية وهو ما قد يفسر لنا لماذا تأخر صعود أيمن الظواهري إلي سدة القيادة فورا بعد وفاة بن لادن ، إذ أن المقال يبين أن سيطرة الرافد السلفي الجهادي من السعودية بعد نضب الخزان الجهادي المصري الذي كان يمد القاعدة بالعتاد البشري حتى فترة التسعينات بفعل عوامل عدة من بينها المراجعات وقدرة الدولة المصرية على تجفيف المنابع وموت الكثير منهم في المواجهات العسكرية المباشرة عقب تفجيرات سبتمبر 2001.

هذا الرافد السعودي ومعه الليبيين وأبناء الدول المغاربية أثروا في شكل البنية التنظيمية إلا وجود أن الظواهري كما يقول الباحث يرجع إلي أنه "أهم الشخصيات نفوذا وتأثيرا وإليه تنسب الرؤية الاستراتيجية للقاعدة" وذلك بفعل عوامل عدة تمس الرافد الجهادي القادم من مصر بصفة عامة من بينها خبراته السياسية والفكرية والجهادية التي استمدها من مواجهات الدولة المصرية وتشكلت عبر قيادته للجهاديين المصريين طوال الثمانينات والتسعينات قبل تآكل الوجود المصري في القاعدة.

2. تركيا

يستعرض الباحث التجربة التركية في ثلاث مقالات كتبت في الفترة من 2006 وحتى 2008، وهي على قدمها مقارنة بالماء الكثير الذي جرى في نهر السياسة والمجتمع التركي حتى الآن بدء من فوز حزب العدالة والتنمية التركي للمرة الثالثة على التوالي بالانتخابات البرلمانية منذ أيام مرورا بتوتر العلاقة بين تركيا وإسرائيل منذ أحداث سفينة الحرية في مايو/ آذار العام الماضي وانتهاء بوفاة الأب الروحي للحركة الإسلامية التركية نجم الدين أربكان في فبراير الماضي ( 29 أكتوبر 1926 - 27 فبراير 2011)،

على هذا كله تعد المقالات هامة في قراءة الوضع التركي الآن ولفترات مقبلة إذ يغلب عليها الجانب التحليلي وتناول للتطور التاريخي لهذه التجربة من خلال استعراض ثلاث جوانب هي الاقتصاد كبوابة هامة استخدمها الإسلاميون للدخول بنفاذية إلي السلطة السياسية والمثقفون الإسلاميون الأتراك – خاصة المستقلين – الذين يتجهون صوب اليسار وعرض للتمايز بين كل من الأربكانية والأردوغانية كتجربتان إسلاميتان لكل منهما رؤيتها المغايرة للأخرى رغم أن الأخيرة خارجة من رحم الأولى.

ويلقي الباحث الضوء على توظيف الإسلاميين للاقتصاد عبر استعراضه لماهية جمعية الموصياد ( اتحاد رجال الأعمال والصناعيين المستقلين ) الذي أسس كاتحاد مقابل للتجمع العلماني الممثل في جمعية رجال الأعمال ( توصياد ) وذلك في عام 1990 من خلال مجموعة من رجال الأعمال الأتراك المنتمين إلي منطقة هضبة الأناضول معقل الطبقة المتوسطة والملتزمة دينيا ومحافظة أخلاقيا.

والموصياد تجربة قامت برعاية نجم الدين أربكان وشارك في إنشاءها تلميذه رجب طيب أردوغان وبعض من زملائه ممن أصبحوا وزراء في حكومته بعد ذلك، ولهذا ركز الباحث على الحضور الرسمي عالي المستوى في الملتقى الذي عقد بين الجمعية والمنتدى الدولي للأعمال واصفا إياه بأنه محملا بحمولات سياسية وحضارية رغم طبيعته الاقتصادية.

ويوضح الكاتب في مقاله كيف حققت هذه الجمعية نجاحا كبيرا حتى صارت مركزا استشاريا هاما لرجال الأعمال في مجال الاقتصاد بعدما أسست قاعدة علمية في مجال الاستثمار بين الدول الإسلامية وهو ما زاد من فرص أن تكون اسطنبول قبلة لآلاف المستثمرين العرب والمسلمين مع تركيا.

وإذا كان الإسلاميين الأتراك قد تعرضوا للإقصاء بسبب تقلبات السياسة فإن نجاح هذه الجمعية المحسوبة عليهم جاء – بحسب الباحث - عبر احتفاظها بمسافة بينها كجمعية اقتصادية وبين السياسة فضلا عن تخففها من الشروط النظرية والعقائدية لتختصر مبادئها في تأمين نظام اقتصادي يعتمد على إقامة العدالة والنظام والطمأنينة وتهيئة الفرص للجميع مع حماية القيم الاجتماعية والتاريخية العالمية من أجل أن تحتل تركيا مكانة لائقة بها محددة استراتيجيتها في الانفتاح على الشرق وجيرانها في العالم العربي والإسلامي.


ويستعرض الباحث التجربة الإسلامية التركية بعد التمايز التي حدث فيها منذ عام 2001 حيث انقسمت الحركة الأم إلي طرفين الأول يعبر عن الحركة الأم وهو حزب السعادة بقيادة أربكان والآخر هو حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان ، ويرى الباحث أن هذا التمايز يعبر عن وجود خلاف في أصل المشروع بين الطرفين أدى إلي هذا الانقسام وليس مجرد اختلاف حول رؤى تنظيمية أو رؤى فرعية.

ولفهم هذا الأمر يقوم الباحث بإلقاء الضوء أولا على المشروع الأساس للحركة الإسلامية التركية الذي وضعه أربكان مؤسس أهم حركات الإسلام السياسي التركي ، حركة الرأي الوطني ( مللي جورش ) عام 1969.

كان هذا المشروع بالنسبة لأربكان يسمى "النظام العادل" إذ كان يطمح لبناء دولة تتجاوز في الدور والمشروع حدودها معتمدا على فكرة بناء قاعدة صناعية ضخمة تجعل منها دولة صناعية كبرى على قدم المساواة مع الكبار وكان يرى أن الاتجاه شرقا عبر تأسيس تحالفات اقتصادية وعسكرية وثقافية بين الدول الإسلامية الكبرى هو العامل المساعد لتحقيق هذا والانصراف عن البحث عن الدعم لدى الغرب الذي يؤمن أربكان بأنه القوى الرأسمالية العالمية فيه والصهيونية متحالفان لتعويق الدول الإسلامية من التقدم ،

وعمل أربكان على هذا المشرع منذ الستينات محتضنا كثير من أصحاب المشروعات وكان من أوائل من تبنوا مبدأ ضرورة تواجد الإسلاميين في النشاط الاقتصادي حتى لا يقتصر على العلمانيين.

إلا أن أربكان بعد توليه رئاسة الوزراء عام 1996 بعد فوز حزبه المسمى الرفاه آنذاك سارع بالتحول شرقا محاولا تأسيس مجموعة الثمانية الإسلامية الكبرى للاستقلال من التبعية والهيمنة الغربية، لكن مشروع أربكان بحسب الباحث كان يمثل قفزة أكبر من طاقته السياسية وكان يمثل خطرا على مصالح دول الهيمنة العالمية فكان أن أسقطت وزارته في الانقلاب العسكري عام 1997 وحل حزبه ومنعه من العمل السياسي.

لكن جوهر مشروع أربكان "النظام العادل" والذي يسعى للتخلص من أسر الاستهلاكية الغربية والانقلاب على مشروع الهيمنة الغربية الرأسمالية جعل المعادلة السياسية التركية والعالمية لا تحتمله وهو ما أثار التساؤل داخل الحركة الإسلامية هل نستمر في السعي على تطبيق هذا النظام الذي تسبب في الانقلاب أم تبدأ الحركة تفاهما مع القوى الكبرى التي بيدها أوراق اللعبة السياسية؟

هذا التساؤل هو ما أدى إلي الانقسام الذي أدى إلي انفصال جيل الشباب كما سيظهر بقوة مع استعراض المشروع الأردوغاني الذي بدائه حزبه العدالة والتنمية التركي بالتأكيد على عدم صلته "بالإسلامية" مقدما تنازلات مؤثرة في المجال الديني هربا من تهمة "الإسلامية" في دولة يتحكم بها العلمانيون الكماليون بقوة حتى أنهم نفوا للمفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان أن تكون قضية الحجاب موضعا لانتهاك حقوق الإنسان مبقيا على الحظر المفروض عليه ،

فضلا عن موافقة الحزب على مطلب الاتحاد الأوروبي بإسقاط العقوبات القانونية في حق الزنا حيث كان فعلا مجرما بنص القانون التركي ، ويعرض الباحث إحدى مقولات عبد الله جول الراجل الثاني في الحزب يراها ملخصة لهذه التنازلات وهي "لقد انهارت حضارتنا الإسلامية ولابد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد".

أما على مستوى الملف الاقتصادي فقد تبنى الحزب سياسة اقتصادية تقوم على الإدماج التام في الاقتصاد العالمي وربطها بقوى الرأسمالية الغربية.

وكان الثمن الذي دفعه في سبيله لرفع معدل النمو الاقتصادي وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية كان غاليا، وكان الثمن هو ربط تركيا بمراكز الهيمنة الغربية حتى المؤشرات حينها كانت تقول أن 70 % ممن ودائع البنوك التركية هي ودائع غربية وأن 65 مليار دولار من حجم تعاملات البورصة لمستثمرين غربيين.

أما سياسيا فيرصد الباحث تراجع أردوغان عن خط التوجه شرقا وجمد مشرع مجموعة الثمانية الإسلاميين الكبار وأدخل تركيا في أوثق تحالف لها مع الولايات المتحدة وتبنيه لترويج بعض السياسات الأمريكية في المنطقة.
ويعرض الباحث تعقيب بعض الباحثين والصحفيين الأتراك على بدايات هذه التجربة حيث أوضحوا أنه لا يصح قراءة التجربة الإسلامية وتجربة العدالة والتنمية إلا في ضوء تعقيدات الوضع التركي والعالمي ،

فبرأيهم أنه من الأفضل بدلا من الدخول في صدام قانوني ودستوري مع القوى العلمانية من أجل بعض القضايا ، من الأفضل أن ينجز الحزب تعديلات عامة في قضايا الحريات بحيث يؤدي ذلك في النهاية إلي مناخ مناسب مستقبلا لطرح القضايا المتعلقة بالحريات الدينية.

كما أشاروا إلي أن العدالة والتنمية تبنى سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم العربي وآسيا وأفريقيا بجانب الانفتاح والإدماج مع اقتصاد العالم الغربي لكن دون ربط ذلك بشعارات دينية وقومية.

أما على المستوى السياسي فقالوا أنه مع التزام الحكومة بالتحالف الأمريكي إلا أنها تسعى لتحسين شروط التحالف بما يحقق المصلحة الوطنية.

ويتناول في المقال الثالث ظاهرة المثقفون الإسلاميون المتجهين نحو اليسار وهم أغلبهم من المستقلون الذين يفضلون العمل المؤسسي المدني عن التنظيمي الحركي ، وذلك من خلال ملتقى حضره هناك استعرض من خلال مداخلتهم فيه أفكارهم وهي التي لامست بعض أفكار اليسار في كثير منها وإن كانت تستند أو تستلهم السند الديني في مفرداتها.

حيث كانت هناك دعوة من أحد هؤلاء المشتركين في الملتقى إلي التوقف عن طرح الدولة الإسلامية والانتقال إلي دولة العدالة وإسلامي آخر من بين الحضور طالب بأن يعيد الإسلاميون قراءتهم عن مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة الحديثة في تركيا بينما هاجم أستاذ جامعي في الدراسات الإسلامية اقتراب الإسلاميين الأتراك ممثلين سياسيا في حزب العدالة والتنمية واجتماعيا في جماعة فتح الله كولن نحو المشروع الأمريكي واصفا إياهم بقلة الوعي.

بينما قام أستاذ جامعي آخر بالتحذير من خطورة ما أسماه العلمانية المستترة تحت الإسلامية وبين الإسلاميين من خلال تمدد العلمانية المادية الشاملة إلي صفوفهم وخطاب بعضهم مناديا للتصدي لهذا النوع من العلمانية طارحا أفكار تتشابه مع أفكار الدكتور عبد الوهاب المسيري.

ومن بين النقاط التي اتفق عليها المشاركون هو أن الإسلاميون – بصفة عامة – هي افتراضهم أن وصلوهم للحكم وتوليهم السلطة هو بداية حل المشكلات ، وهم في ذلك يجهلون – بحسب الحاضرين – أن سنة التغيير تكون دائما من أسفل من خلال المدخل الاجتماعي قبل السلطوي ، وكان هناك ملاحظة هامة خاصة بحزب العدالة والتنمية تقول بأن المجتمع المدني لديه أضعف من قوى اليسار وأن قواعد حزب السعادة أقوى من قواعده.

أما على الجانب الاقتصادي فتباينت الآراء حول مسئولية حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية في زيادة دين تركيا لصالح صندوق النقد الدولي وتخصيص تركيا نحو 40 % من ميزانيتها السنوية لخدمة فوائد الديون فبعضهم ذهب إلي أن الحزب تبنى سياسات نيوليبرالية تصب في مصلحة الأغنياء بأكثر من الفقراء ، لكن البعض الآخر أرجع الأمر إلي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية الأسبق سليمان ديميريل بإتباعه سياسات شعبوية طوال فترة حكمه انعكست فيما بعد على الدولة بأكملها.

لكن الملاحظة الأبرز التي يراها الباحث هي أن المثقفين الإسلاميين ناقشوا القضايا الاقتصادية بمقاربات اقتصادية بحتة متجنبين المقاربات الفقهية والهوياتية ، وحتى قضية مثل الربا كان الحديث عنها يدور حول اعتباره رهنا بالتضخم وأن القضاء على الربا لن يكون بقوانين مباشرة بقدر ما سيكون بإصلاح اقتصادي يقضي على التضخم.

ووجه المثقفون نقدا حول سيطرة ثقافة التبذير والاستهلاك على مجتمعات الإسلاميين منطلقين من إحساس عام بوطأة التحرير الاقتصادي على الناس داعين الإسلاميين إلي الاهتمام للمسألة الاجتماعية وحتى لو بتبني مقولات اشتراكية.

ولعل المدقق في تلك التجربة بعد المرور عليها من خلال هذه المقالات يجد أن المثقفون الإسلاميون الأتراك قد تركوا أثرا على تجربة حزب العدالة والتنمية ظهرت في تغير بعض سياساته من الاقتراب نحو الشرق ومساعدة الشعوب الراغبة في التحرر الوطني مثل فلسطين والسعي للعب دور إقليمي حقيقي يتجاوز أفكار الولايات المتحدة ومشروعها ، كما يُلاحظ أيضا أن بوابة الاقتصاد مازالت هي الممر الأوسع الذي يمر من خلاله الإسلاميون الأتراك.

3. المغرب

ومن المغرب يقدم الباحث في ثلاث مقالات تحليلية رؤيتين للعمل الإسلامي الحركي في المغرب وتداعيات إحداهما ، إذ انصبت الفكرة الأولى على استعراض تجربة حركة التوحيد والإصلاح في محاولة التمييز بين الدعوي والسياسي مع استعراض ما اسماه تراجع النموذج التركي في حزب الحركة "العدالة والتنمية" ،

وهي التجربة التي تتعاظم أهميتها في الوقت الراهن مع زيادة أعداد وأشكال الأحزاب الإسلامية التي تنشأ في مصر وتونس بعد الثورة في كليهما مع تزامن ذلك مع نجاح حزب العدالة والتنمية التركي في الفوز بالانتخابات للعام الثالث على التوالي منذ أيام واشتياق العديد من النخب في إعادة صياغة أو استنساخ التجربة في بلدانها.

أما الأخيرة فهي تجربة حركة العدل والإحسان في توظيف النبوءة والمنامات في الحقل السياسي، وهي تجربة خاصة في الحالة المغربية.

يؤكد الباحث في البداية تقديمه لدرس العلاقة بين الدعوي والسياسي أن قضية التمييز أو الفصل بين المجالين يعد من أكثر الإشكاليات التي تواجه الحركات الإسلامية ذات البعد السياسي ، وهي الإشكالية التي تأتي من قلق الفرقاء السياسيين من احتكار الإسلاميين لورقة الدين التي تكفل لهم اكتساح المشهد السياسي دون ميزة استثنائية إلا رفع راية الدين ومن ناحية أخرى تمثل مصادرة للعمل الإسلامي في مساراته المختلفة لصالح أضعف مسار وهو السياسي كما أنه يعرضها للتضييق.

هذه الفكرة بدأت لدى قادة الحركة في عام 1998 عندما سعت لرسم تصور واضح في علاقة الحركة مع الحزب وعجل بذلك تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 التي تسببت في هجوم على الإسلاميين والحركة من قبل خصومهم اليساريين بدعوى المسئولية الضمنية عن هذه التفجيرات.

انطلقت بداية الفكرة كما ينقل الباحث عن محمد يتيم نائب رئيس الحركة وعضو الأمانة العامة للحزب، من رؤية الحركة أن شمول الإسلام لا يحجب حقيقة أن الحركة مجرد طرف في العمل لإقامة الدين وليست الوحيدة فيه، مع أهمية ضرورة التمييز بين الوظائف الأساسية للحركة ( دعوة – تربية – تكوين ) وبين ما يسمى بالأعمال التخصصية الأخرى مثل الوظيفة السياسية ( يمثلها الحزب ) والوظيفة الاجتماعية ( جمعيات ) والوظيفة العمالية ( النقابة ) والعمل في هذه الوظائف التخصصية لابد أن يستصحب معه المرجعية الكلية للحركة لكنه ينفصل عنها في الإطار التنظيمي.

وبالتالي يمكن تلخيص علاقة الحركة بالحزب – بحسب الباحث - في جملة واحدة : التلاقي في المرجعية والتكامل في المشروع مع التمايز في الوظائف) ومن ثم يكون هناك فصل في الإطار التنظيمي يتبعه استقلال إداري لكل منهما.

ويواصل الباحث رصده للأفكار التي سارت عليها الحركة واستعراض بعض الأفكار التي حاولت الحركة اعتمادها في سعيها لتطبيق التمييز بين الدعوي والسياسي، فالحركة كانت ضد توظيف الشعارات الدينية في العمل السياسي الحزبي خوفا من أن تتأثر الدعوة سلبا بالسياسة حتى لو استفادت السياسة منها في الربط مباشر بينهما ، فالحركة ترفع شعار غير شعار الحزب ، شعارها دعوي والحزب يخلو من لغة الدين ولا يتوسل بها.

ويشرح الباحث أنه بعد فصل المؤسستين كان لابد من اعتماد نوع من الفصل بين برامج التكوين والتثقيف في كل منهما بما تقضيه طبيعة كل مؤسسة ، كما استلزم الفصل اختلاف في شروط قبول العضوية ، ففي داخل الحركة كان الالتزام بالأخلاق والاستقامة مقدم أما في الحزب فيكفي الالتزام بالموقف السياسي للحزب ومرجعيته العامة ، وهي الأمور الموجودة أيضا داخل شروط التصعيد داخل كلا المؤسستين وفي الإجراءات العقابية.

ولكن هذه الاستقلالية بين الهيئتين ولدت خوفا من تعارضهما وأثار الحديث عن مدى التزام الإطار المرجعي للحركة ، لكن الحركة والحزب توصلا إلي أنه لا يوجد ضمانات تنظيمية لضبط مسار الحزب بوصفه يؤدي الوظيفة السياسية للحركة ولكن الضمانات الموجودة هي منهجية وفكرية فقط ، وأقصى ما يقع من الحركة في علاقتها بالحزب هو نقاش عام في مجلس شورى الحركة حول المسار السياسي ولا ينتج عنه ما يلزم الحزب وقيادته بشيء.

ويرى الباحث أن من بين ما ساعدت عليه هذه الاستراتيجية للتميز بين الدعوي والسياسي هو تحسين وتطوير العلاقة مع الآخر الإسلامي انطلاقا من فكرة أن الحركة هي طرف ضمن أطراف تساهم في إقامة الدين وهذا ما جعلها ترحب بمشروع الدولة في إعادة هيكلة الحقل الديني والتركيز على التعاون في القضايا محل الاتفاق مثل نصرة غزة وفلسطين مع جماعة العدل والإحسان رغم اختلافهما الكبير في حين أن الحزب اعترض على بعض ممارسات الجماعة تحت ضغط المواءمات السياسية لكن هذا لم يجبر الحركة على اتخاذ نفس الموقف، هذا وقد نال فعل التقارب الطرق الصوفية بعد سنوات من القطيعة.

ويقسم الباحث المستويات التي تتحرك فيها استراتيجية التمييز بين الدعوي والسياسي إلي 3 مستويات:

1- مستوى الخطاب: في هذا المستوى سعت الحركة إلي تبني خطاب توعوي إرشادي تجميعي عام ومميز عن الخطاب السياسي في لغته ومحتواه فلا يعلن عن انحياز إلا لمبدأ ولا يتورط في خصومة سياسية مباشرة ويركز مقاربته على القضايا والمبادئ والأفكار وليس الأشخاص والمؤسسات.

ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الحركة لذلك هو منع مشاركة الدعاة والوعاظ من أعضائها في الانتخابات لا ترشيحا ولا مساندة كما منعت نزول قيادات الحركة في الحملات الانتخابية للحزب باعتبارهم يمثلون المرجعية الإسلامية التي يجب أن تظل ملكا لجميع المغاربة.
2- مستوى مجالات العمل: تطرح الحركة تصورها لهذا المستوى بضرورة وجود تمييز بين الحركة والحزب في مجالات العمل، فالحركة لا يمكن أن تصدر بيانا في شأن تسيير العمل العام يلزم الحزب بذلك على أن تكون مهمة الحركة إعداد إنسان وتربيته وتبني قضاياه العامة.

ولكن هذا الطرح يصير بحسب الباحث السؤال الشائك حول اشتغال الناشطين السياسيين بقضايا الهوية وحجمها في خطاب الحزب وهل كل قضايا الهوية سياسية أم تبقى ثقافية ودعوية؟

محمد يتيم يرى أن "من مصلحة الحزب أن يقلل من اشتغاله على قضايا الهوية ويتفرغ أكثر للرقي بالخطاب السياسي والتدبيري" ، لكنه يعترف في ذات الوقت أن هناك قضايا أكثر تركيبا وتداخلا بما لا يسمح بالتمييز الواضح بين مجال اشتغال الحركة ومجال اشتغال الحزب ، وهنا تفرق الحركة بين قضايا الإجماع العام التي لا تصادر على حق تيار فكري وبين الدعوة إلي نشر منظومة قيم تمثل تيارا بعينه.

فقضية مثل لباس البحر لا يتصدى لها الحزب بل الحركة لأن هناك تيار علماني لا تمثل له قضية الزي مشكلة بعكس قضية الدعارة فهي مرفوضة من كل التيارات فيتداخل الحزب والحركة في التصدي لها ، ويؤكد يتيم أنه في كل الأحوال لا يستخدم الحزب لغة التخوين مع معارضيه.

3- مستوى الرموز: تسعى الحركة في هذا المستوى إلي إحداث فصل بين كل رموز الدعوة والحركة على صعوبة الأمر، فرموز الحركة في هذا الطرح هم رموز الأمة فيما رجال الحزب يمثلونه فقط.

وتشير ترجيحات قادة الحركة أن مسار الفصل سيبدأ بعد أن يستقر الحزب سياسيا بحلول انتخابات 2012 وقد بدأت الحركة السير في هذا الاتجاه عبر دعمها أنشطة برلمانيين من خارج حزب العدالة والتنمية يتبنون توجها مقاربا للحركة وتلقي الضوء عليهم في صحيفتها.


ويختتم الباحث حديثه عن هذه التجربة بأن ما زال أمامها اجتهادات كثيرة لكنه يرى أن طرحها للنقاش على التجارب الإسلامية الأخرى قد يعطي أملا في أن بالإمكان أن تتحول حركة إسلامية ما لإطار دعوي وتربوي دون الانغماس الكلي في السياسي الذي يؤدي إلي تسييس الدعوة وإلغاء منطقها الحضاري.

وبعد رصد الباحث لاجتهاد التمييز بين الدعوي والسياسي ينتقل لتحليل أسباب نجاح عبد الإله بن كيران رئيسا لحزب العدالة والتنمية خلفا لسعد الدين العثماني في صيف 2008 والذي يرى في نتيجته تراجع للنموذج التركي في المغرب "فالنجاح بن كيران يراه أبعد من أن يفسر لأسباب إجرائية أو تنظيمية داخلية" ، بل هو "تحول في الخيال السياسي لقواعد الحزب السياسي في المغرب اتجاه نهج العثماني الذي بدا أن تجربة العدالة والتنمية التركي كانت ملهمة له ومؤثرة في خطابه السياسي ، ويلخص الباحث هذه الفكرة قائلا " أن تصويت قواعد العدالة والتنمية المغربي كان ضد التأسي بالنموذج التركي ومحاولة تنزيله على الواقع المغربي دون مراعاة لاختلاف الحالة المغربية دولة ومجتمعا عن نظيرتها التركية".

ويعدد الباحث أخطاء ارتكبها العثماني في هذا الاتجاه كانت سببا في تصويت القواعد ضده كان أبرزها هو ما بدا من قفز على قضية الهوية "الإسلامية" وما يتعلق بها من سياسات ومواقف ، فتعمد في إدارته للحزب الابتعاد تماما عن كل القضايا ذات الصلة بالهوية الإسلامية حتى بالغ في الأمر حتى لو كانت قضية المغرب بأكمله.

وبعد ضرب الباحث عدد من الأمثلة على هذه الفكرة يخلص إلي أن مبالغة العثماني في تأكيد التمييز بين الدعوي والسياسي حتى قارب الفصل جعله يبدوا وكأنه يقدم نوع من العلمانية المؤمنة ، وهو أمر بحسب الباحث لا يتناسب وطبيعة بلد كالمغرب تتأسس فيه الدولة على شرعية دينية وتحكم وتسيطر وفقها حتى لو لم تلتزم بها واقعيا ، بعكس دولة مثل مصر حسمت فيها قضية هوية الدولة لصالح "الإسلامية" بحيث باتت لم تعد في حاجة إلي تأكيد أو مراجعة فالشارع هو من يحميها.

لكن بن كيران الذي صوتت القواعد لصالحه كتأكيد على أولوية سؤال الهوية التي تتعرض للتحرش والاعتداء من قبل اللوبي العلماني الفرانكفوني ، معروف بمعاركه اليومية للتأكيد على هذه القضية بما يعني معرفته ووعيه بما يريده الناخب ، فضلا عن إدراكه بأن السياسية لا يصنعها منطق التوازنات والهدوء فقط التي سار عليه العثماني.

ويعني هذا بالأخير برأي الباحث أن بن كيران حصد الأصوات لأنه وقف على أرض المغرب الحقيقية الذي يعاني كثير من أهله الفقر والبؤس ولم تستقر فيها المؤسسات بعد، ومازال بن كيران يحصد ثقة الجماهير عبر الرعاية الاجتماعية والخدمات الإنسانية وهي الجماهير التي بدا وكأنه لا يعنيها تنظيرات العثماني حول التمييز بين الدعوي والسياسي.

لذلك فإن الباحث يعتبر أن فوز بن كيران هو رسالة بليغة للتنظيمات الإسلامية في العالم العربي والتي داعب خيالها النموذج التركي بأن مخالفة نمط السياسية المستقر في العالم العربي ومحاولة تحريك الأفكار في الفراغ لن يأتي بنتيجة مشابهة لما وثل إليها الأتراك. فهل يصدق قول الباحث أم تكن للثورات العربية منطق آخر.

ويختتم الباحث تجارب المغرب عبر إلقائه الضوء على فكرة النبوءة التي تأتي من خلال المنامات والتي تستخدمها جماعة العدل والإحسان المغربية التي تقاطع العمل السياسي الحزبي هناك مستعرضا فكرة النبوءة والأسانيد التي ترتكز إليها لمواجهة تغيرات السياسة وما تعتمد عليه للاستمرار.

ويعرف الباحث النبوءة بأنها : "رؤية مستقبلية في صورة ماضوية متحققة ويقينية وليست غيبا مجهولا كما هو مفترض" ، وهي واحدة من المفاهيم الرئيسية في المشترك الديني للإنسانية وفي التصور الإسلامي فإن النبوءة يمكن مقاربتها من خلال مفهومي البشارة التي ينبغي الإيمان بها ثم التسليم بها حال تحققها دون أن تلزمنا بفعل يؤسس عليها.

ويرى الباحث أن المشكل والميزة في النبوءة حين تدخل في حقل السياسة أنها لا يتوقف مفعولها عند عدم تحققها أو عند تحقق خلافها، فالذي يوظف مفهوم النبوءة في حقل التفسير السياسي يشغل دائما إلي جانبها دائما آلية أخرى أكثر قوة وأكثر قدرة على إعطاء أجوبة جديدة "إنها آلية التأويل".

وكان للنبوءة أن تشيع في بلد غارق في التصوف والطرقية حتى يفاخر أهله فيقولون "إذا كان المشرق بلد الأنبياء فالمغرب بلد الأولياء".

ومن هنا فإن الباحث يرى أن جماعة العدل والإحسان بقيادة عبد السلام ياسين آنذاك أدركت ذلك وكان حديثها عن المنامات والرؤى يأتي في سياق تمكين عنصر الغيب من لعب أدوار في اللعبة السياسية وقد يكون القصد منه خلخلة الخريطة السياسية.

ويوضح الباحث أن الجماعة عندما تدفع بالرؤيا فهي تسعى إلي أن تجعل منها موضوعا للتداول يثبت به حضور الجماعة وهي لا تجعل الرؤية والمنام مرتهنة بتفسير أو تأويل محدد بحيث يمكن إعادة إنتاجها وتفسيرها وهي بذلك تلفت الانتباه إلي قوة الجماعة وقدرتها على لعب أدوار قد تربك الساحة السياسية وتعيد صياغتها من جديد ، منتفعة بالدور الاستراتيجي الذي تلعبه الرؤيا في مجتمع تكثر فيه الأمية وتشيع فيه الأفكار الطرقية بشكل مبالغ فيه.

ويختتم الباحث هذه التجربة بالإشارة إلي أن جماعة العدل والإحسان التي تعد الأكثر تنظيما في المغرب لا تخشى الاتهام بالخرافة – وهو حاصل بالفعل – ذلك أنه كلما صار موضوع الرؤى ومضمونها متداولا في الحقل السياسي كلما حققت الجماعة قدرا من أهدافها السياسية من حيث لفت قدرتها على التأثير في الحراك الفكري واثبات حضورها القوي وإعادة التوازن النفسي لأنصار الجماعة من حيث أن مرشدهم وجماعته محور جذب واستقطاب فكري وسياسي.

4. موريتانيا

و إلي موريتانيا حيث نقل من هناك تجربتان الأولى عن محاولة قام بها شباب صوفي للتقريب بين الصوفيين والفقهاء موضحا قيام الشباب بهذا الدور بقوله "أن هذا الجيل على درجة كبيرة من الوعي بخطر انغلاق التصوف أو عدم إدراكه للمخاطر التي تتهدده".

وجاءت تجربة الشباب من خلال ندوة نظمت انطلاقا من الإحساس بخطورة أن ألف سنة مرت على هذه المنطقة والصراع فيها محتدما بين مدرسة الإحسان التصوفية والمدارس الفقهية والسلفية منها وصلت إلي حد التكفير وإراقة الدماء أدى إلي عرقلة جهود الدعوة إلي الله في إفريقيا التي كان ينظر إليها باعتبارها قارة الإسلام قبل أن تجتاحها جيوش التنصير.

فضلا عن إحساس ثان بالخطر تولد نتيجة هذا الصراع وهو فتح الباب لاختراق التشيع للفضاء السني المالكي الذي ظل مهيمنا على هذه المنطقة، وذلك عبر قنطرة التصوف التي استخدمت فيها الدبلوماسية الإيرانية ذريعة حب آل البيت حتى نجحت في فتح أقسام لدراسة الفقه الشيعي والتشيع في بعض جامعات دولة مثل غانا المعروفة تاريخيا بكونها سنية مالكية.

كانت أعمال الندوة بحسب الباحث حاسمة في الـتأكيد على أن التصوف في الغرب الأفريقي ظل جهاديا مناضلا ولم يعرف ما عرفته بعض بلاد المشرق من تقاعس للطرق الصوفية في مواجهة المستعمر، محاولة بذلك التمييز بين التصوف في هذه المنطقة تحديدا وغيره من العالم الأمر الذي وجوب سهولة التقارب داخل المذهب السني الواحد في هذه المنطقة.

لقد كان هدف الندوة واضحا وهو "تقريب الخطاب الفقهي من المتصوفة وإعادة التفاهم" وكان التركيز "على رفع التناقض بين التصوف والفقه وتأكيد مستمر على أنه تناقض طارئ إذ لم يكن في القرون الأولى أي تعارض".

فالصوفية الأوائل اتبعوا السلف والخلاف جاء في عصر التخصص والمصطلح فمطلب الصوفي ما هو الأفضل ومطلب الفقيه هو ما يسقط به الحرج ومن ثم فهما متكاملان وليس متناقضان.

التجربة الأخرى التي ينقلها الباحث من موريتانيا هي محاولة الحركة الإسلامية هناك الإجابة على سؤال التحديث وفيها يتناول محاولات الحركة الإسلامية هناك ممثلة في "الإصلاحيين الوسطيين – الإخوان المسلمين" لإدخال أنماط من الحداثة في الحياة السياسية والاجتماعية هناك فالحركة الإسلامية برأيه" بنت الدولة الحديثة التي مازالت في طور التشكل ونشأت كاستجابة لتحدي التحديث الذي يجتاح موريتانيا".

ويوضح الباحث لماذا تسعى الحركة الإسلامية إلي هذا التحديث من خلال تسليط الضوء على طبيعة المجتمع الموريتاني باختلافه كثيرا عن المجتمعات الإسلامية المشرقية فأهله كلهم مسلمون ومن أهل السنة وعلى المذهب المالكي وحتى العلماني في موريتانيا ليس على الصورة المشرقية فهناك لا يقطع العلماني حديثه معك إلا لأداء الصلاة.

وبالتالي لا يوجد إشكالية في سؤال الهوية ولا في نمط تدين الناس هناك وهذه الأمور تدفع الباحث للسؤال عن سر تواجد حركة إسلامية وما الذي يمكن أن تقدمه مختلفا.

هنا يظهر الفارق الذي يسلط الباحث الضوء عليه من خلال توظيف حركة الإصلاحيين الوسطيين للغناء في حث الناخبين على التصويت في الانتخابات رغم أن نظرة المجتمع هناك للفن متدنية للغاية فينظر إليه بوصفه مناف للورع وينظر للغناء حتى لو كان محافظا –وهو كذلك في مجمله – بوصفه طارد للتدين ولا تمارسه سوى الطبقات الاجتماعية الأقل شأنا واحتراما بين الطبقات الاجتماعية التي يمثل أعلاها طبقة العلماء والعسكر وأهل السياسة وأدناها العبيد.

فبعكس المشرق الذي يقيد فيه الإسلاميين التعامل مع الفن "كان هم الإسلاميين الموريتانيين هو تفكيك الممانعة التقليدية للمجتمع الموريتاني والتي تحول دون التطبيع مع الفن وأهله" فكان موقفها تعبير عن تمرد مكتوم على سلطة مجتمع الزوايا والعلماء التقليديين الذي يحتكر الدين".

ويسلط الباحث الضوء على المساحة المختلفة التي تتحرك فيها الحركة الإسلامية في موريتانيا بهدف إظهار تمايزها عن التدين التقليدي المهيمن على المجتمع وكان نموذجها هو النموذج المتمدين من التدين الذي يستطيع أن يتفاعل مع مفردات الهم اليومي للناس ولا يكون محصورا في الزوايا فقط ، وتناول الباحث عدة قضايا لتوضيح هذا الفارق مثل قضية الغناء والفن وغيرها.

ومن بين ما يظهر هذا التمايز أن الحركة الإسلامية تلتزم بالمساواة بين الناس فوقفت مبكرا ضد الرق عكس بعض الزوايا والعلماء التقليديين أما تكوينها الداخلي فيغلب عليه العرب لأن العبيد بصفة عامة مشاركتهم السياسية ضعيفة والزنوج ، مازالت الطرق الصوفية أقرب لهم فضلا عن بعدهم عن التأطير الحركي نظرا لظروف اللغة والعرق وبعض النزاعات القديمة مع العرب، ورغم ذلك فهي لا تقيم اعتبار للقبلية أو الطبقية لبناءها الداخلي والعضوية تقوم فيها على المساواة الكاملة.

لكن عند التعامل مع المجتمع فإن الحركة تتبنى مبدأ ( القبيلة لا القبلية ) فتأخذ في اعتبارها التشكيلات التقليدية فتتفاهم معها ولا تعتمدها، بمعنى آخر فالحركة تقبل بالقبيلة في الفضاء العام في الحدود التي لا تتناقض مع مبادئ الحركة وهو ما جعل نفوذ الحركة يتركز في المدينة ويضعف في البوادي.

وروح التحديث لم تظهر فقط في مواقف الحركة من بعض القضايا بل تظهر أيضا في كتابات رموزها مثل جميل ولد منصور.

5. السودان

يتناول الكاتب تحت هذا العنوان ظاهرة التحديث الديني من خلال الدعاة الجدد الذين انتشروا وذاع صيتهم في السنوات الأخيرة من خلال إعطاءه مثالا من السودان على قدرة هذه الظاهرة في الانتشار بين البلدان الإسلامية ، فها هو الشيخ الأمين عمر أمين يقدم نفسه كشيخ صوفي ولكن عبر آليات الدعاة الجدد متجاوزا النمط الصوفي التقليدي الذي لم يستطع تجاوزه في أكبر قلاع التصوف والطرقية في العالم العربي.

إلا أن ما يورده الباحث في سياق إطلالته على هذا التحديث يشير إلي تمكن الحداثة من الدعاة الجدد هناك المتدثرين بعباءة الصوفية ، فالفيلا الفاخرة وأوجه الشباب المرفه ونمط الخطاب "المودرن" وأشكال وأماكن الدروس.

واحتياج الدعاة الجدد للصوفية في السودان أمر بالغ الأهمية فأكبر البلدان العربية مساحة هي أكبر قلاع الصوفية في العالم العربي ويستشهد بمقولة حسن الترابي له وهو من أشهر زعماء الإسلام السياسي هناك بأنه "من يتجاوز الصوفية في السودان فليبحث عن بلد آخر إذ لن يكون له مستقبل فيها.

لم يعد التخفف من الدنيا والاستعداد فقط للآخرة هدف الزاوية كما لم يعد في الزهد متاعها والرضا بالقليل منه طريق النجاة، حيث كانت في السابق تحفظ مريديها : "من نازعك في دينك فنازعه ومن نازعك في دنياك فألقها إليه في نحره" أم الآن فتقول له نازعه في كليهما بشرط المنافسة الشريفة الملتزمة بأحكام الدين وأخلاقه.

ويؤكد الكاتب أنه على الرغم من أن المضمون الذي يقدمه الشيخ ظاهريا هو الدعوة إلي التمسك بالدين والتزام الصوفية طريقا إلي الله إلا أن في بنيته العميقة يؤشر إلي تحول كبير في المنظومة الصوفية فلم يعد الإعراض عن الدنيا والاقتصار من حلالها على ما لابد منه عند هذا النموذج هو المبتغى ولكن أصبح التنافس عليها والإقبال عليها شريطة اجتناب الحرام يمثل دعوة صريحة لهذا التيار الذي يشابه تيارات التدين الجديد الذي أسس له الدعاة الجدد في العالم العربي.

6. ماليزيا.

وينتقل بنا الباحث إلي شرق آسيا حيث يسلط الضوء على تجربة تبدوا هامة الآن في إعادة صياغة العلاقات داخل المجتمعات العربية بعد ربيع الثورات التي تعيشها ومع صعود الحركات التي تتحدث عن أفكار إسلامية.

ويستعرض الباحث مشروع الإسلام الحضاري الذي دعا إليه صاحبه مهاتير محمد وسلمه لخلفه عبد الله بدوي وضع أسسه وقام على صياغته عدد كبير من المستشارين الدينيين والتكنوقراط على السواء ، لتختار الدولة بعد الانتهاء من وضع أساسه النظري 250 شخص من القيادات والكوادر أخضعتهم لتكوين وتدريب لشرحه وتقديمه للشعب ولهيئات أخرى بالدولة ثم خصصت عدة مؤسسات ( 6 مؤسسات ) بعينها للقيام على أمر المشروع صياغة وتعريفا وتطويرا وتطبيقا بحيث يتحول من طرح نظري إلي مشروع للشعب الماليزي كله.

كان من مهام هذه المؤسسات أن تشرف على إعداد الوزارات والهيئات لبرامج تطبيقية يمكن من خلالها تنفيذ المشروع في حقل عملها ، لتختار كل وزارة عنوانا لبرنامجها في تطبيق المشروع على مجال عملها واقتباس آية من القرآن الكريم تلخص هدفها من المشروع.

ويؤكد الباحث أن هذا المشروع لا يمكن قراءته بدقة إلا من خلال فهم السياق الذي ظهر فيه والملابسات والتي أحاطت به ، لكنه قبل استعراض هذه السياقات يلخص المشروع قائلا "بأنه مشروع يقدم المشروعية والدافعية الدينية لعملية بناء دولة رأسمالية تلعب فيها الأقليات الدينية دورا فاعلا مع الاحتفاظ للأغلبية المسلمة بالدور المركزي في إدارة وتوجيه هذه الدولة.

موضحا أن بتركيز المشروع على الدنيا وعمارتها فإنه يختلف عن المشروع الصوفي الذي يضع الآخرة نصب أعينه ، وإعلانه أن رسالته هي التنمية فإنه يختلف عن طرح حركات الإسلام السياسي التي تركز دائما على مشروع الدولة الإسلامية وحاكميه الشريعة والرسالة العقيدية للدولة.
ومن ثم يكون طرح الإسلام الحضاري أكثر اقترابا واستيعابا لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة من حيث مراعاة التنوع والتعدد داخل الدولة وتبدوا فيه النزعة الإنسانية حاضرة وتسيطر عليها الأخلاقية بدلا من العقائدية.

أما السياقات التي ظهر فيها المشروع فمنها أن ماليزيا وقتها كانت على وشك مراجعة لأهم قواعد العلاقة المعقدة التي تحكم التركيبة العرقية بين الملايو سكان البلاد الأصليين وبين الأقليات الصينية والهندية التي أتى بها الاستعمار الإنجليزي حيث كان الحزب الحاكم يقر سياسة التميز الإيجابي للملايو على حساب المهاجرين عوضا عن التمييز الذي مارسه المستعمر بالعكس ، وهذه السياسة أدت إلي تكاسل الملايو في الإنتاج ورفضته الأجيال الجديدة من المهاجرين لأنهم باتوا غير مهاجرين بل منحدرين من أسر مالاوية وليسوا قادمين لتوهم.

ويمكن فهم المشروع أيضا بحسب الباحث في سياق رغبة الدولة الماليزية للعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية كفاعل رئيسي في منطقة شرق آسيا وفي العالم الإسلامي أيضا ويكون من بين محاور هذه الاستراتيجية جذب الاستثمارات والعقول والخبرات البشرية لتعظيم الاستفادة منها.

الهاجس الديمغرافي كان حاضرا في المسألة بسبب الكثافة الصينية والهندية الوافدة الأمر الذي دفع الدولة تشترط على مواطني الصين والهند الحصول على تأشيرة دخول دون بلدان العالم، فضلا عن سعيها لإيجاد علاقة شراكة واهتمام مع دولة أندونسيا المسلمة والتركيز على التراث واللغة في المشروع.

وعن السياق السياسي فالباحث يشير إلي أن المشروع جزء منه كان متعلقا بالصراع مع قوى الإسلام السياسي ممثلا في حزب ( باس) الإسلامي على الشارع من خلال التأكيد على شرعية النظام الحاكم لدى الأغلبية المسلمة لعدم ترك الساحة الإسلامية للمعارضة ودون إثارة غضب أو حساسية الأقليات الدينية الأخرى وبالفعل نجح آنذاك الحزب الحاكم في انتزاع ولايتين من الحزب الإسلامي في الانتخابات.

ويختتم الباحث حديثه بالتأكيد على أن النخبة السياسية في ماليزيا أكثر تألقا وتجددا – بعكس بلادنا – من خيال الشعب وأن الممسكين بزمام الأمور فيها أوسع وأسرع من طاقة الشعب هناك.


ثانيا :الأفكار

يتناول الباحث مجموعة من الأفكار تلقي الضوء على مجموعة من القضايا التي تشغل عقل المتابع للحالة الإسلامية ربما نستطيع من خلال النظر فيها أن نفك الالتباس الواقع في المرحلة الضبابية التي تمر بها المنطقة العربية الآن تساعدنا على صياغة معالم الطريق الذي نريد السير فيه.

قضية تهديد حماس للأمن القومي المصري والعربي والتي أطلت برأسها عقب سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف عام 2007 هي أولى الأفكار التي يناقشها الباحث حيث يعتبر هذه الفرضية ( تهديد حماس للأمن القومي المصري والعربي ) نابع من "التقاء سوء الفهم لطبيعة الحركة وسوء النية اتجاهها".

فحسب الباحث فإن للحركة خصوصية في الحالة الإسلامية عامة أو في حالة ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر إذ تعد حماس بحسب ميثاقها التأسيسي امتداد فكري لحركة الإخوان المسلمين العالمية.

ويستعرض الباحث جوانب هذه الخصوصية التي يستند إليها كمدخل رئيسي لتفنيد الفرضية المطروحة للجدل، ويبدأ بخصوصية حركة حماس بين التنظيمات القطرية لحركة الإخوان المسلمين حيث يظهر التتبع التاريخي للعلاقة بين حماس والجماعة الأم استقلاليتها في اتخاذ القرارات الخاصة بها ولاسيما بعد تأسيس الجناح العسكري لها ( كتائب الشهيد عز الدين القسام ) لمقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين ،

إذ من المعروف أن الجماعة الأم ملتزمة بصفة عامة بالعمل السلمي ، ويؤكد الباحث أن علاقة حماس بالجماعة لم تتجاوز الدعم المادي والمعنوي الذي هو أمر بديهي بالنسبة لها كجماعة تعد قضية فلسطين والقدس مركزية بالنسبة لها ، ويستشهد على هذه الاستقلالية بعدم إنصات الجماعة للمرشد العام في مصر بالاتجاه نحو التهدئة قبل الحسم في غزة.

ويشير الباحث إلي أن جميع خطوات حماس تبين مدى إدراكها لأهمية أن يستقل النضال الفلسطيني عن مشروعات المقاومة الإسلامية الأخرى مدللا على ذلك بسعي حماس لفتح علاقات مع موسكو لكسر الحصار المفروض من قبل إسرائيل والعزلة المفروضة من الولايات المتحدة الأمريكية رغم معارضة المقاومة الإسلامية في واشنطن هذا فضلا عن وجود علاقة قوية مع النظام السوري رغم وجود قانون يقضي بإعدام كل من يثبت انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين.

أما الخصوصية الأخرى فهي تتعلق بطبيعة الحركة مقارنة بالحركات الإسلامية الأخرى في العالم فهي ليست أممية بل نشأت وتطورت كحركة تطور وطني داخل أرض فلسطين التاريخية وعدوها هو المحتل الصهيوني وميزت أيضا بين بعض يهود العالم وبين الصهاينة ، كما أنها لم تفتح أي جبهات للصراع خارجيا ولا تورطت في قضايا قتل واختطاف وأسر خارج حدود فلسطين حتى مع الولايات المتحدة نفسها،

كذلك لم تورط نفسها في الصراعات العربية العربية وحتى اقترابها من المحور السوري الإيراني كان ناتجا من انسداد وتعنت المحور المصري الأردني بما يعني أنه انجذاب لاضطرار وليس انجذابا بمحض الاختيار.
أما على مستوى شكل الدولة التي قد تنشئها حماس فيجزم الباحث أنها بعيدة كل البعد عن النموذج الطالباني فمعظم قادتها خريجي المدارس والجامعات المدنية وتكوينهم أقرب إلي التكوين المدني الحداثي وبرامجها أقرب لبرامج الأحزاب السياسية من الحركات الدينية الشمولية ومن ثم هي حركة حداثية بامتياز.

ويختتم الباحث حديثه عن هذه الفكرة بالدعوة إلي استيعاب حماس في منظومة الأمن القومي المصري والعربي بوصفها حركة تحرر وطني تمثل رقما له وزنه على الأرض ينبغي أن يتم التعاطي معه عبر البوابات السياسية وليست الأمنية فهي قيمة مضافة وليست تهديدا – بحسب وصف الباحث.

ينتقل الباحث بعد ذلك لمناقشة ما اسماه بمستقبل العنف "الإسلامي" بعد مراجعات جماعات الجهاد وأثر هذه المراجعات على توقف العنف ، تتلخص فكرة الباحث في هذا المقال في أن المراجعات لم تكن قرار بقدر ما كانت نتاج لواقع جديد هو أن الجهاد وغيرها من التنظيمات لم تعد قادرة على العنف، دون التشكيك في صدق المراجعة.

وبالتالي هي برأيه لا تتجاوز الدلالة الرمزية التي تشير إلي إمكانية تحول تيار أو تنظيم عنيف إلي تيار نابذ للعنف بالإضافة إلي قدرة الأجهزة الأمنية في إدارة هذا التحول.

ويبني الكاتب هذا الرأي على عدة شواهد تتلخص في أنه خلال العقد الأول من الألفية الجديدة ظهر بقوة ما يعرف بالدعاة المستقلين والجدد وصعود نجم المفكرين الإسلاميين المستقلين وهو ما ساهم في زيادة ما يُعرف باسم التدين الفردي ومن ثم لم يعد الجماعات أو التنظيمات - التي أنهكت بفعل المساجلات التي دخلتها مع الدولة سواء عنيفة مثل الجهاد أو الجماعة الإسلامية أو قانونية وسياسية مثل جماعة الإخوان - هي الفاعل الأول في رسم المشهد الديني مثلما كانت سابقا في السبعينات والثمانيات ، هذا مع تراجع آخر لدور المؤسسات الرسمية مثل الأزهر أو الأوقاف ، وفي ظل التدفق الهائل للعرض الديني من أفكار ومعلومات على شبكة الإنترنت.

هذا كله أدى في النهاية بحسب الباحث إلي تحول هذه الجماعات إلي أيديولوجية مفتوحة تتجاوز الإطار التنظيمي ، حيث دخلنا برأيه مرحلة الشبكية المفتوحة بين الفاعلين الإسلاميين.

ويخلص في النهاية إلي أن الجيل الجديد من حملة السلاح لن يتأثر بمراجعات الجماعات وسيظل متشككا فيها لأن العنف برأيه مرهون بانسداد الأفق السياسي وهيمنة أمريكا على المنطقة والعالم الإسلامي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل أسباب العنف مازالت قائمة أم أن الثورات العربية قضت على السببين الذي طرحهما الكاتب، هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

أما الفكرة التالية التي يستعرضها الباحث فهي تتعلق بمستقبل العلاقة بين الحركات الإسلامية وبين أمريكا ، وفيها يستعرض كيف نشأت هذه العلاقة التي في أغلبها الأعم تتميز بالعداء نتيجة تراكمات تاريخية بدء مما ورثته الحركة الإسلامية من عداء لأمريكا من المشروع القومي بعد أفوله في بداية السبعينات تزامنا مع دخول أمريكا للمنطقة لتأثر بالسلب في قضايا عديدة مثل انحيازها للشاه في إيران واجتياح إسرائيل للبنان ومفاوضات كامب ديفيد وحرب الخليج ، إلي أن استقر العداء لأمريكا في الشارع الإسلامي والوعي الحركي له خلال العقدين الماضيين.
إلا أن الكاتب يرصد مفارقة تمثلت في ظهور معالم تغير في نمط العلاقة في نظرة بعض الحركات الإسلامية وموقفها من أمريكا بما يكاد يخالف تماما مع المسار السائد المعادي لها على طول الطريق.

ومن بين ما يرصده في هذا الشأن هو قبول الحزب الإسلامي العراقي المشاركة في العملية السياسية تحت الرعاية الأمريكية مخالفا لعموم الشارع العربي والإسلامي ، ثم دخول إخوان سوريا في التحالف المعارض المدعوم أمريكيا لإسقاط النظام السوري ، مع قبول جماعة الإخوان المسلمين الدخول في علاقات مباشرة مع أمريكا والإعلان عن رفض سياساتها في العراق فقط نظريا دون تحرك عملي ، ونهاية بالحديث عن إمكانية استنساخ التجربة التركية للحركات الإسلامية وهي التجربة التي تتمتع بعلاقات وثيقة بالإدارة الأمريكية ويقترب منها تجربة المغرب التي كرمت بعض المؤسسات الأمريكية أحد قيادتها – سعد الدين العثماني.

هذا التاريخ وذلك التحول جعلا الباحث يضع 3 مستويات يتحدد وفقها مستقبل العلاقة بين الحركات الإسلامية وأمريكا مع التأكيد على أنه من الصعوبة بمكان تقدير حجم هذا التغير.

أما المستوى الأول وهو ما يتعلق بتعريف العمل السياسي الإسلامي وما يحتمله من تمييز داخله بين السياسة بالمعنى العام وبينها بالمعنى الحزبي التنافسي، إذ يرجح الباحث أن النوع الأخير هو الأقرب إلي إمكانية مراجعة نظرتها ومن ثم موقفها من أمريكا نتيجة رغبتها في التواصل مع قوى دولية تدعهما في وضعها التنافسي داخليا.

أما المستوى الثاني فهو يرتبط جزئيا بالأول فالتنظيمات الإسلامية التي تجاوزت الطرح الأممي لصالح الطرح الوطني المشغول بقضايا القطر والتدبير السياسي والمعيشي هو الأكثر قابلية للاقتراب من أمريكا بحكم الابتعاد عن القضايا الخلافية التي تمثل شبه مصدر إجماع للأمة مثل فلسطين وأفغانستان والعراق بحكم وجود مشتركات أخرى لا تتصل بمواجهة المشروع الأمريكي ، هذا بعكس التيارات السلفية التي لم تدخل اللعبة السياسية بقوة حتى تختبر فيها.

أما المستوى الثالث فهو يتصل بموقع كل حركة داخل الأمة الإسلامية وما تفرضه عليها من مسئوليات ومن ثم فهو يميز بين إسلامي المركز وإسلاميي الأطراف ، فدولة مثل مصر تقع في القلب من الأمة الإسلامية ولها دور رئيسي ومباشر في قضاياها الرئيسية وعليها مسئولية تاريخية اتجاه الأمة وقضاياها سيكون على الحركات الإسلامية فيها عبء عند مسألة التقارب مع أمريكا حتى لو رغبت هذه الحركات في ذلك ، ويرجع هذا إلي عدم قبول الشارع لتقارب مثل هذا بما يؤدي إلي خسارة الفصيل أو الحركة لمصداقيته.

وينتقل بعد ذلك إلي تناول ظاهرة أحزاب "العدالة والتنمية" الإسلامية التي برزت في العقد الماضي بقوة في دول إسلامية عديدة، حيث يرصد في تناوله للظاهر تراجع سؤال الهوية وتقدم سؤال التنمية عبر هذه الأحزاب في العالم العربي والإسلامي ، موضحا أن الذي يجمع هذه الأحزاب ليس فقط الاسم أو تنويعاته ولكن ما يجمعها هي أنها تتحرك ضمن مقاربة عامة تعطي الأولوية لسؤال تحقيق العدالة بين شعوبها وتنمية مجتمعاتها وما يعكسه ذلك من الارتباط بمصالح الناس ومن ثم تصبح قضية التنمية مقدمة في الترتيب على سؤال الهوية.

وهو يؤكد في الوقت ذاته على أن الظاهرة غير متماثلة في تطبيقات الأفكار لأسباب تتعلق بقوتها وفاعليتها وتقاليدها في بلدانها فضلا عن المناخ الذي أسست فيه ، فالعدالة والتنمية في المغرب في واقع إسلامي عكس العدالة والتنمية في تركيا الكمالية التي ألغت الخلافة وأسست لنموذج من العلمانية أكثر اقترابا من الغرب.

ويرى الباحث أن الظاهرة ترتبط بالمراجعات التي قامت بها الحركة الإسلامية في بعض البلدان لفكرة الدولة بعد اتهامها كثيرا من قبل التيارات العلمانية بالشعاراتية والايدلوجية ، فضلا عن أن قياس الاعتدال أصبح يقارن أكثر بمدى الارتباط الاجتماعي عن السياسي.

كما أنها أيضا بحسب الباحث ارتبطت بتحولات اجتماعية وطبقية داخل مكونات الحركة الإسلامية ذاتها جعلها أكثر اهتماما بمصالح الناس بما جعلها تبتعد عن الطبيعة الأيدلوجية الصارمة.

وهو يرى أن هذا النموذج الذي يرتبط أصوله بتصور ما للمرجعية الإسلامية إنما أثبتت التجربة طوال 10 سنوات ( المقال كتب في 2008 ) أنه يتشابه إلي حد كبير جدا مع النموذج التنموي الاقتصادي الغربي.

أسئلة المستقبل حول هذه الظاهرة يلخصها الباحث في مدى قدرة هذه الحركات على الاستمرار في تقديم مقاربة التنمية بدلا من مقاربة الهوية، وكذلك فهم هذه الأحزاب للشريعة الإسلامية وحدود اختلافها مع نظيراتها التقليدية من الأحزاب التقليدية الأخرى، فضلا عن سبل تنزيل مرجعية الشريعة في واقع "علماني" بالدول التي قطعت شوطا في التحديث والعولمة.

محذرا في نهاية طرحه من إعطاء إجابة نهائية حول التحديات وهذه الإشكالات حيث أننا أمام نوعين من الاستجابة مختلفتان إلي حد التناقض هما نموذج يسعى لأسلمة الحداثة مثل النموذج المغربي والآخر يرى أن الطريق يبدأ من تحديث الإسلام كالنموذج التركي.

على جانب آخر تماما ينتقل الباحث لطرح ما أسماه أسئلة الزمن السلفي حيث يرى أنها – السلفية – سيدة الزمن القادم وأننا دخلنا الزمن السلفي ، فكل تعثر برأيه في المشروعات التي تمثل الديناميات الأخرى سواء إسلامية أو علمانية يجعل السلفية تتمدد وتزداد انتشارا حتى زاد تأثيرها على الجماهير وكذلك قدرتها على اجتذابهم.

ولأن– بحسب الباحث – كثير من مواقف السلفية مبني على إسقاطات استحضرتها من أزمنة لم تكن فيها الدولة على صورتها الحالية فإن ذلك يعجل بفتح ملف السلفية وإتاحته للنقاش بصورة علمية تسعى لبسط الحقائق واستجلائها ، بل ويطمح إلي تطوير الحالة السلفية نفسها.

ولذلك يرى الباحث أن هناك جملة من الأسئلة يجب أن تطرح من أبرزها الأسئلة التي تتعلق بالمرجعية في الحالة السلفية ومن يشكلها وما هي أبرز القسمات فيها ومن يضع هذه القسمات ، خاصة وأن الباحث يلحظ أن الانتشار السلفي يتم دون تنظيم وأن الجسم الأكبر للسلفية غير مؤطر تنظيميا.

وكيف نفسر تمدد الخطاب السلفي في شرائح اجتماعية ظلت بعيدة تقليديا عن تأثيره وما موقفها من قضايا الجدل كالمرأة والأقليات والفنون.

كما أنه يطرح تساؤلات أخرى من قبيل مدى الارتباط بالوهابية ومدى إمكانية أن يتحول السلفي التقليدي المنتمي لمدرسة السلفية العلمية التي تركز على قضية تصحيح الاعتقاد ومسائل العبادات وإحياء التراث إلي مشروع سلفي جهادي ؟.

وكيف تتكون رؤية التيار السلفي للعالم في هذه اللحظة ، وكيف تكونت مصادرها هل هي تراثية فقط كما يبدوا أم أنه لها روافد أخرى تأخذ بعين الاعتبار عالم اليوم وتعقيداته ، وما هي مداخل السلفية للإصلاح وموقفهم من الأنظمة الحاكمة والآخر الإسلامي ، مطالبا في النهاية بأن يكون فتح ملف السلفية بعيدا عن رطانة الأيدولوجية ولغتها الخشبية.

وها هو الملف قد فتح فهل تصدق فرضية الباحث بأن السلفية سيدة الزمن القادم أم أن معركة الحرية في العالم العربي ستجعلنا نرى إجابات أخرى؟!


في ختام الحديث عن الأفكار يناقش الباحث فكرة ما بعد الإسلام السياسي الذي جزم بها بعض الباحثين المتخصصين مثل الفرنسي "أوليفه روا" وعارضها آخرون مثل عالم الاجتماع الفرنسي الراحل "آلان روسيون".

وهو ينحاز للفكرة الرافضة بأن تقوم مقولة "ما بعد الإسلاموية" بتفسير جميع الظواهر الدينية والسياسية في العالم الإسلامي لما بالمقولة من عمومية تغفل ما تمتاز به المجتمعات الإسلامية من تعقيد وتركيب

وبالتالي فهو يرى في هذه الأطروحة أنه من الخطأ الكبير أن يكون هناك إطلاقية في القول بنهاية الإسلام السياسي أو ما بعد الإسلاموية .

ويرى أيضا أن هناك مشكلة لدى الباحثين الغربيين تحديدا في فهم منطق السياسة لدى الحركة الإسلامية فهي لا تتأسس وفق برنامج اقتصادي أو سياسي محدد ولكنها لدى هذه الحركات من لوازم الدعوة وضروراتها المركزية.

ويرى الباحث أن معظم الدراسات قد عملت على جماعة الإخوان التي أنهكتها السياسة بالمعنى البرجماتي وهو ما لا يمكن تعميمه على بقية الحالة الإسلامية التي يتعدد فيها الفاعلون وتستقبل تيارات وأفكار بصورة دورية.

ويسمي الباحث المدارس التي لا ينطبق عليها مقولة ما بعد الإسلاموية "السياسية الإسلامية الكامنة" وهي التي تعتزل السياسة ليس رفضا لها وإنما لأن اللحظة التاريخية لا تواتي نموذجها السياسي المنشود ، معتبرا أن السلفية هي نموذجها الأبرز.

ويناقش الباحث عدد من التحولات التي تقول بها أطروحة ما بعد الإسلام السياسي ، ذاهبا إلي أي منها لا ينطبق على الحالة السلفية.

ففي مقابل تصاعد حضور ظاهرة المثقفين الجدد وقراءتهم الحداثية للنصوص الدينية نجد نصوصية وتقليدية تعتمد المنهجيات التراثية في الحالة السلفية.

وفي مقابل الحضور النسوي الذي تمسك الأطروحة بخيوطه يوجد نسوية سلفية موازية من نوع آخر تمثلها على سبيل المثال جمعية إحياء السنة في مصر التي تتطوع فيها ناشطات سلفيات لمساعدة رجالهن على إحياء سنة تعدد الزوجات مرسخة بذلك قواعد الذكورية – على حد وصف الباحث.

وحتى عند الذهاب إلي المنهجية التي تتعامل بها السلفية مع الشبكة العنكبوتية يرى الباحث أن مواقعها مازالت ثابتة على الطريقة التقليدية والشرعية ومازالت تحافظ على منظومتها المعرفية.

ويطالب الباحث من توخي الحذر في إطلاق أطروحات ذات طابع شمولي، فكما أن هناك تيارات باتت تبحث عن حظها في سلطة الدولة الحديثة فهناك تيارات سلفية ولدت أصلا ضد مفهوم الدولة الحديثة.

لذا فإن الباحث يرجح أن يكون هناك تيار سلفي يسعى للتطوير في اتجاه ليس الاستيلاء على السلطة وإنما تحييدها عن الفضاء الديني وعدم الحاجة إليها.

لذا فدائما برأيه ما سيكون هناك إسلام سياسي احتجاجي خارج فكرة الدمج داخل الدولة الحديثة إذ أن جزء كبير من مفهوم الإسلام السياسي هو احتجاج على الدولة الحديثة برمتها.

والآن وقد دخلت السلفية – حتى وإن لم يكن كل أطيافها – داخل المعادلة السلفية في مصر عبر حزب النور والفضيلة ومن قبلهم السلفية في الكويت التي لها نوابا في البرلمان ، هل سيأتي الغائب الذي لم يجئ بعد!!.

ثالثا : الرموز

1. سعد الدين العثماني
يبدأ الباحث بابن عائلة أمازيغية عريقة عرفت بالنضال الوطني ضد المستعمر في المغرب وتسلسل فيها العلم أكثر من ألف سنة وهو ابن لأحد أهم المراجع الدينية لأهل سوس وهي المنطقة المشهورة بأكثريتها الأمازيغية – إنه سعد الدين العثماني ( 1956 - ).

ومن خلال استعراض الكاتب لشخصية العثماني وجذورها يوضح كيف أن هذه الأصول قد أفادت الحركة الإسلامية لمغربية في التعامل مع إحدى قضايا التنوع العرقي واللغوي التي تمثل إحدى الإشكاليات الرئيسية التي فشل الإسلاميون بقدر كبير في التعامل معها وهو أيضا ما جعل هذه القضية تفلت من يد التيار العلماني التغريبي الذي حاولت فرنسا من خلاله تطويع هذه القضية لصالحها، فسعد الدين العثماني كان من أهم قادة الممانعة ضد موجات التغريب والتمسك بالقيم والثقافة الإسلامية.

ويقدم الباحث العثماني كشخصية تميزت بين السياسيين والشرعيين على السواء بأنه حداثي وشرعي التكوين في آن واحد فهو حاصل على إجازة في الشريعة من كلية الشريعة وحاصل على شهادة الدراسات العليا في الفقه وأصوله وذو حجة دينية وفي نفس الوقت خريج التعليم المدني فهو دارس للطب النفسي وممارسا له بعد تخرجه فضلا عن كونه عضو مكتب مؤسسة الحسن الثاني للأبحاث العليمة والطبية.

ويستعرض الكاتب مسيرة العثماني بدء من انضمامه للحركة الإسلامية في السبعينات ثم التحاقه بجمعية الشبيبة الإسلامية عام 78 قبل أن يتبرأ علانية هو ورفقاءه منها بعد حادث عنف اتهمت فيه الحركة وهو ما يحسبه له الباحث إذ يصف ذلك بأنه نوع من الوضوح في إدانة العنف، ثم تأسيسه للجماعة الإسلامية مع رفقاء له وتغيير إسمها إلي أن تولى طوال عشرة سنوات الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي قبل أن يخرج من هذا المنصب في انتخابات 2008 .

ويتضح من خلال مسيرة العثماني أنه كان واحدا من الذين شاركوا في صياغة تطور خطاب وحركة التيار الإسلامي في المغرب فقد كان أحد الأطراف الفاعلة في كل تحديث وتطوير وتغيير يطالها وهو ما جعله قادر على التمييز في تعامله مع الدولة بين الفاسدين فيها وبين الالتزام بأسس ثلاثة مستقرة هي المذهب المالكي في الفقه والمذهب الأشعري في الاعتقاد والتصوف السني على طريقة الجنيد.

2. عبد الإله بن كيران

ثم يتناول الباحث شخصية مغربية أخرى داخل الحركة الإسلامية وهو عبد الإله بن كيران ( 1954 - ) الذي يعتبر أحد رفقاء الدرب داخل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية وأمين عام الحزب حاليا وهو أحد أبرز قادة الحركة الإسلامية في المغرب.

ومن خلال استعراض الباحث لشخصية بن كيران يظهر الاختلاف عن العثماني في عدم امتلاك الشخصية الكاريزمية التي ربما يراها العديد من قادة الحركات الإسلامية التقليديين بأنها ضرورة للتعامل مع الجماهير، أما على مستوى التكوين فبن كيران من مجموعة شبابية ، لا يوجد ما يميز فرد آخر فيها على الآخر، أسست للعمل الإسلامي في السبعينات داخل الجامعة.

وقاد بن كيران بحسب الباحث الأفكار الرئيسية في تطوير الحركة مقدما مبادرات وأفكار ساعدت على إحداث تحولات فارقة في تاريخها كان أولها عندما تجرأ وأعلن منفردا من داخل السجن في أوائل الثمانينات تبرأه من تنظيم الشبيبة الذي كان ينتمي إليه هو ورفقاءه بعد أن تحول عبد الكريم مطيع مرشد التنظيم إلي العنف ومواجهة الدولة والخروج على الإجماع الوطني بالانحياز إلي انفصال الصحراء الغربية ، ليتبعه رفقاءه بعد ذلك.

أعقب ذلك تبنيه تغيير اسم حركته التي أسسها مع زملائه بعد سجنهم من الجماعة الإسلامية إلي حركة التجديد والإصلاح ثم تبنيه فكرة مغادرة السرية في العمل الحركي إلي العلنية التامة ليقود بعدها مبادرة دخول الحركة إلي العمل الحزبي عبر مفاوضات مع عبد الكريم الخطيب لتنضم حركته إلي حزبه "الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية" بعد أن رفضت الدولة قبول تأسيس حزب للحركة ، ثم بعد ذلك يتحول هذا الحزب إلي حزب العدالة والتنمية القائم حتى الآن.

ومن بين مبادراته الهامة التي يذكرها الباحث هو تأسيس العمل النسوي للحركة والتي أقامها على 3 أسس هي وحدة العضوية ووحدة التنظيم ووحدة العمل المشترك وذلك في إطار تساوي الرجل مع المرأة داخل الحركة.

وعلى طريق الأفكار قدم بن كيران فكرتين تمثلان علامتين فارقتين في طريق الحركة مع الدولة الأولى هي أن "مهمة الحركة الإسلامية ليست الوصول إلي السلطة حتى لو كان الهدف إقامة الدين ، بل مهمتها هي المشاركة في إقامة الدين دون أن يتوقف ذلك على الوصول إلي السلطة"، كما تصدى في ذات السياق لنمط القيادة الصوفية الأبوية التي تقوم على فكرة أنه لا يمكن للإنسان السير إلي الله إلا بشيخ أو مريد.

الفكرة الثانية هي ذهابه إلي أن الدول مثل الأفراد لا نحكم عليها إلا بما تدعيه فإذا كانت الدولة أعلنت أنها مسلمة فهي كذلك حتى لو ارتكبت ممارسات تخل بإسلامها ، ومثلما لا نكفر الفرد الذي يعلن الإسلام حتى لو أتى بالذنوب والمعاصي فإنه لا ينبغي أن نكفر الدول بمجرد ارتكابها ما لا يتوافق مع الإسلام طالما أعلنت مسلمة.

حسن الترابي.

وإلي الجنوب حيث يستعرض الباحث شخصية حسن الترابي ( 1932 - ) مفرقا بين ما هو فكري وبين ما هو سياسي في حياته لاسيما مع تقديمه في بداية الحديث عنه عبر مقولة أحد المفكرين الذي قال عنه "هو من أفضل المفكرين الإسلاميين وأسوا السياسيين أيضا" معتبرا أن السياسي لديه أجهز على المفكر.

ويشير الباحث إلي عام 2000 الذي تناول فيه الترابي مؤكد صلاحيته حتى الآن بعد زيارته له مرتين في السودان لإعادة الطرح فالترابي ما زال كما هو شخصية جدلية في كل الأوقات وأينما حل وعلى كافة الأصعدة.

فالترابي بحسب الكاتب لم يعجب أحد فغير الإسلاميين يعتبرونه أصولي والإسلاميين يرون فيه منكر السنة تارة والعلماني تارة أخرى وهذا بسبب أفكاره التجديدية التي تجاوزت الأسقف الاعتيادية لدى الإسلاميين عند الاجتهاد فهو على سبيل المثال – الترابي – يدعو في محاضرته "قضايا فكرية وأصولية" إلي ثورة تجديدية شاملة للفقه الإسلامي الذي يصفه بالجمود والتقليد معلنا بلا مواربة ضرورة تجاوز الموروث الفقهي كله باعتبار أن التنقيب فيه لن يغني عن ضرورة إيجاد فتاوى جديدة عصرية.

فالتراث الديني عند الترابي فيما بعد التنزيل (الكتاب والسنة ) كله من كسب المسلمين ولابد أن يتطور مع الأزمان تبعا لاختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والمادية ، داعيا في موقف آخر إلي تأسيس ما يعرف بالفقه الشعبي بحيث تكون صياغته ليست حكرا على رجل الدين.

أما من المواقف التي أدت إلي هجوم شديد عليه وكتابة مؤلفات علمية للرد عليه فكان حين دعا إلي تجديد أصول الفقه ذاتها مع عدم الاعتداد بخبر الآحاد كحجة في الأحكام وعدم الاعتراف بأن كل الصحابة عدول بحسب القاعدة الأساسية عند المحدثين.

إلا أن كل ذلك لم يمنع القيادي الفكري والحركي في إخوان لبنان فتحي يكن يقر بأن الترابي بجانب راشد الغنوشي وسيد قطب مدرسة تجديدية مستقلة بذاتها من ضمن ما أسماه المدارس التجديدية للإخوان المسلمين.

وعلى الرغم من رؤية بعض المتابعين له بأنه استطاع على المستوى النظري "بلورة رؤية فكرية متكاملة منفتحة على العالم مقتربة من الواقع قادرة على الاستجابات لتحديات العصر من بين أبناء جيله في السودان" إلا أنه عندما خاض غمار السياسة ظهر كبرجماتي وانتهازي يقصي القريبين منه قبل خصومه ويستبد بهم مستهزئا بأفكارهم وآرائهم يخضع لمنطق التحالفات والمواءمات والتقلبات دون أن يكون له موقف واضح حتى أنه قضى 7 سنوات في السجن في عهد النميري ليخرج عاقد معه تحالف وصل بمقتضاه إلي سدة وزارة العدل

ويطرح الكاتب في النهاية رؤية مفادها أن الترابي هُيأت له الأقدار ظرفا مواتيا ليكون علما في مسيرة التجديد الإسلامي إلا أن السياسة أفسدت عليه أفكاره وشغلت قلبه وعقله عن الفكر حتى بات عبئا ثقيلا على الجميع – الحركات الإسلامية والنظام السوداني والولايات المتحدة الأمريكية.

3. محمد رشاد غانم

وينتقل الباحث إلي شخصية أخرى ربما لم يسمع عنها أحدا سوى الذين عايشوه عن قرب حتى أنه لا يوجد له ترجمة مكتوبة لشخصيته، غير أن الباحث يلفت أنه ورجل آخر قد مر عليهم جميع تيارات وتنظيمات العمل الإسلامي في الإسكندرية حيث كان صاحب صالون اتسع لجميع الأفكار الإسلامية للمناقشة حتى زاره الألباني من السعودية ومصطفى حلمي وفهمي هويدي وثروت أباظة وغيرهم فضلا عن مساهمته لتوفير كتب العلوم الشرعية للباحثين والدارسين إيمانا منه بأهمية هذا الدور.

إنه محمد رشاد غانم ( 1916 – 1992 ) تاجر فضيات وأنتيكات الذي لا علاقة له من حيث العمل أو التخصص بالعلوم الشرعية ورغم ذلك فهو أهم من نشروا الفكر السلفي في المدينة فإليه يرجع الفضل في أكبر حركة تحقيق وتأليف ونشر للسلفية بها في النصف الثاني من القرن الماضي

لكن المدقق لمقالة الباحث يلحظ أن غانم لم يكن في كل القضايا أو الفكر متماشيا مع التيار السلفي السائد بشكله المعهود الآن سواء في إسكندرية أو مصر، لكنه كان شديد التأثر بالشيخ رشيد رضا حيث كان يراه مجدد الإسلام في عصره.

فالرجل كما يشير الباحث انتقد في فترة بداية السبعينات ما يعرفوا الآن برموز السلفية في الإسكندرية متهما إياهم بالمقلدة دون فهم حتى أنه وقف في صف الشيخ عبد المعطي عبد المقصود في معركته ضد الشيخ محمد إسماعيل المقدم عندما ألف الأول كتابا حول إنكار فكرة المهدي المنتظر.

ومن بين إسهامات غانم البارزة في الحقل الإسلامي هو سبقه في أن يكون أول من اشترى المعجم المفهرس للحديث النبوي، كما أتت عليه فترة كان واحد من ثلاثة فقط في مصر يمتلك مجموعة الفتاوى الكاملة لابن تيمية بحسب رواية الدكتور المحقق محمد رشاد سالم للباحث.

ويقترب الباحث أكثر من غانم ملخصا مشروعه في ثلاث محاور هي :رفض التأويل الكلامي وتوحيد الألوهية والتحرر من المذهبية لافتا إلي أن غانم ينتمي لجيل رفض التكسب من الدعوة حتى أنه كان أيضا تمييز الداعية بلباس محدد غير الناس، ومع هذا فهو ممن تحلموا عبء الدعوة الإسلامية في فترة صدام الإخوان بالناصرية.

وكان لغانم مواقف حازمة من رفض العنف والتكفير وكان دائم النقد للتصوف باعتباره طريقا يناقض التوحيد كما انتقد الإخوان المسلمين لما وجده منهم من إغراق في السياسة على حساب الدعوة.

4. فتحي يكن
يستعرض الباحث في هذا المقال جزء من سيرة ومسيرة فتحي يكن ( 1933- 2009). أبرز قادة جماعة الإخوان المسلمين في لبنان وأحد رعيلها الأول مسلطا الضوء على خروجه عنها منطلقا من فكرة مركزية يقول فيها "من يدرس حياة الرجل وما انتهى إليه موقعه السياسي ستتأكد له سنة من سنن الله في الحركة الإسلامية تقضي بأن من كان متشددا في أفكاره عنيفا في خصومته مع المختلفين فيها ومعها كان الأقرب إلي الزلل والوقوع فيما كان يأخذه على مخالفيه بل والخروج على الحركة نفسها".

وليكن كتب كثيرة شكلت وعي الحركة الإسلامية طوال ثلاث عقود في معظم أنحاء العالم الإسلامي إلا أن هناك كتب بعينها تحمل بصمات منهجه مثل أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي والإسلام فكرة وحركة وانقلاب "وهي تحمل روح الشهيد سيد قطب التي تتبنى المفاصلة مع الخصوم والاستعلاء عليهم بالإيمان بما يؤسس لعزلة الحركة الإسلامية عن مجتمعها".

ومن بين الكتب التي يرى الباحث أنها كان لها أثرا سلبيا على الحركات هو كتاب "ماذا يعني انتمائي للإسلام" الذي يصفه بأنه" من أسوا ما أنتجته أدبيات الحركات الإسلامية في نزعتها للتوحد مع الإسلام وعدم التمييز بين الإسلام كدين وبين رؤيتها الخاصة واجتهادها البشري في فهمه.

أما كتابه المتساقطون على طريق الدعوة فيظهر منه بحسب الباحث القسوة في الموقف من خصوم الحركة والمختلفين معها من داخلها حتى يزعم الكاتب بأنه كان مسئولا عن ضيق صدر الحركة الإسلامية تجاه الاختلاف والتعددية عموما.

وتبرز فكرة المقال عندما يصل الباحث إلي النقطة التي غادر فيها يكن الحركة عام 1993 إثر خلافات تنظيمية ليظهر انتهاجه في تبني مواقف في الخط السياسي لجماعته التي غادرها معطيا مثالا على ذلك اعتبار مقاطعة انتخابات 2005 في لبنان حرام شرعا في الوقت الذي أعلنت فيه الجماعة مقاطعتها لها ، والموقف الأبرز من وجهة نظر الكاتب عندما انحاز بصراحة ورمى بتاريخه الحركي والدعوي خلف مجموعة 8 آذار أو التحالف الشيعي الموالي وسوريا وإيران ، ثم تشكيله لجبهة العمل الإسلامي وهو تحالف يضم كل الموالين للتحالف الإيراني السوري بالضد للتوجهات السنية التي اجتمعت على رفض هذا التحالف.

أيمن الظواهري

في الشق الأخير هذا نستعرض تحليلا سريعا لخطاب ألقاه الدكتور أيمن الظواهري ( 1951 - ) الذي كان الرجل الثاني في تنظيم القاعدة قبل وفاة أسامة بن لادن في مايو الجاري والتي أعلنت زعامته للتنظيم منذ أيام، والمعنون بخمسة أعوام على احتلال العراق إذ نستخلص منه بعض الأشياء التي قد تساعد فهم هذا التنظيم في مستقبله.

يقول الباحث أن رسالة الظواهري تلك يمكن قراءتها على مستويين يتكاملان الأول هو استراتيجية تعامل القاعدة مع العالم والثاني باستراتيجية إدارتها الداخلية للتنظيم.

ويمكن تلخيص هذه الاستراتيجية الأولى من خلال التالي :

1- تسعى القاعدة إلي تقديم نفسها باعتبارها قطب المواجهة المفتوحة والشاملة مع الولايات المتحدة عدو الأمة ( كما تقدمها القاعدة).
2- محاولة القاعدة تخصيص خطاب يوضح حالها ومواقفها من القضايا الاستراتيجية يحاول من خلاله حشد الشارع العربي وراءه ومن ثم مد مشروعه بوقود يغذي مواجهته مع الأنظمة العربية أو الولايات المتحدة.

أم الاستراتيجية الثانية فتتلخص في الآتي:

1- انطلاقا من فكرة أن تنظيم فقد مركزيته نتيجة تطورات متلاحقة أدت إلي تحالفات ومن ثم اندماج مع عدد من التنظيمات الجهادية بحيث أصبح فكرة كبرى لها وكلاء محليون ، انطلاقا من هذا كانت هناك حاجة ماسة إلي وجود خطاب دوري من شخص بأهمية الظواهري وتأثيره لاسيما بعد انخفاض منظري وراسمي الاستراتيجيات والخط الأيديولوجي للحركة بفعل الاعتقال والمراجعات والقتل ، يصحح المسار الأيديولوجي ويضبط التوجه الفكري ، ويكون ذلك من خلال التعليق على الأحداث الكبرى والمناسبات الفارقة.

لكن السؤال هو هل يتغير موقع الظواهري ومكانته بعد وفاة بن لادن ؟؟!!

5. عبد الله بدوي
استعرض الباحث تاريخ عائلة رئيس وزراء ماليزيا الأسبق عبد الله بدوي الذي يعتبره الإسلاميون والقطاعات المتدينة في الشعب الماليزي وقت توليه الحكم "الضمانة الكبرى لعدم سيطرة التوجهات العلمانية على النظام الحاكم كما كانت تعتبره الضامن لوجه ماليزيا الإسلامي هذا على الرغم أن الإسلاميين في ماليزيا يوجهون انتقادات حادة لحزب الحاكم الذي يترأسه بدوي ويسمى أمنو اختصار لـ"المنظمة القومية الملايوية المتحدة".





تعليقات الزوار 0 | إهداء 3 | زيارات 8699


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
2.23/10 (58 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com