الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الثقافة والفكر الإسلامي
من «لن تقودي» إلى «داعش».. الحاجة إلى فقه متسامح
من «لن تقودي» إلى «داعش».. الحاجة إلى فقه متسامح
04-05-2014 10:49
عبدالسلام الوايل
ماهر فرغلي «جهادي» مصري من أفراد تنظيم «الجماعة الإسلامية» قضى في سجون مبارك 13 عاماً. خرج بعد المراجعات التي أجرتها الجماعات وتراجعت فيها عن نهجها العنفي. ألّف فرغلي كتاباً بعنوان: «الخروج من بوابات الجحيم» يروي فيه تجربته. «الجماعة الإسلامية» - لمن لا يعرفها – هي التي قتلت الرئيس السادات ورئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب والكاتب فرج فودة وعشرات من رجال الأمن والمسيحيين والسياح. بعد أعوام طوال في أقبية السجون والمعتقلات تقدم قادة الجماعة بـ«مبادرة لوقف العنف» أحدثت تغييراً كبيراً في فكر الجماعة، وهو ما أهّلها لأن تكون جزءاً من المشهد السياسي المصري للفترة بين خلع مبارك وعزل مرسي.
ما أثارني في كتاب «فرغلي»، والمهم لهذه المقالة هو سرديته للمراجعات التي أفضت إلى مبادرة وقف العنف. تحديداً، سرديته للتلازم بين مراجعة العنف من جهة والتخلي عن التشدد الفقهي في أمور لا علاقة لها مباشرة بالتكفير والعنف والإرهاب، مثل قضايا الموسيقى والمرأة، من جهة أخرى. إن بدا هذا التلازم هامشياً لكثير من مراجعي الكتاب فإنه بدا جوهرياً للكاتب محمد علي المحمود، الذي التقط تلازم المسارين الفقهيين تشدداً وانفتاحاً. يلاحظ المحمود، في تغريدات له في «تويتر» أنه «عندما تراجعوا (أي قادة الجماعة الإسلامية عن العنف) أباحوا الموسيقى».
وأن تحلل قادة الجماعة من التحريم بدأ بالموقف من المسيحي، الذي تشكل العلاقة معه سؤالاً واقعياً للمسلم المصري، فأسقط التحريم «عن المشي في جنازة المسيحي وعيادته في مرضه، بل وتهنئة المسيحيين بأعيادهم»، ثم امتد لاحقاً ليصل إلى التخلي عن العنف والإرهاب.
في قراءته لتجربة فرغلي، يضع المحمود إصبعه - محقاً - على مسألة التناسق والانسجام: الخطاب الفقهي المتشدد الذي يحرِّم الموسيقى والغناء مؤهل لأن ينتج ذهنيات تتشدد تجاه المخالف لدرجة تصل إلى تشريع العنف ضده. في المقابل، حين يبدأ هذا الخطاب بالتراجع عن استسهال التكفير وتشريع العنف فإن تسامحه يطال قضايا لا علاقة لها مباشرة بالبعد السياسي. التشدد، وكذا التسامح، يطال الهامشي مثلما يطال الجوهري. نقل الموسيقى من خانة الحرام إلى خانة الحلال يتجاور مع نقل التواصل الودي مع المسيحي من خانة الحرام إلى خانة الحلال وكل ذلك يتجاور مع نبذ العنف لأغراض سياسية.
ما أهمية كتاب فرغلي وقراءة المحمود له لمقالتي هذه؟ مقالتي الأخيرة كانت عن ضرورة تبني استراتيجية تتضمن مكافحة أشمل للإرهاب. مكافحة تركز على تقويض القابليات الذهنية لتقبل الفعل الإرهابي. لا بد من علاج وقائي يكمل البنية القانونية، المتوّجة حديثاً بتجريم المشاركة في الصراعات والحروب. العلاج الوقائي يحتاج إلى تبنِّي خطاب فقهي متسامح لمختلف جوانب الحياة. هذه ضرورة إنسانية وتنموية مثلما هي سياسية. ومثلما أن مراجعة قادة «الجماعة الإسلامية» المصرية لمواقفهم الفقهية حيال الدماء شملت موقفهم من الموسيقى والمرأة والتصوير، خطابنا الفقهي المطلوب لمكافحة القابليات للإرهاب يجب أن يكون جريئاً ومتسقاً. لماذا؟ ببساطة، من دون الاتساق لن يكون الخطاب مقنعاً ولا فعّالاً. التأمل في مسوغات رفض شبابنا النافر لمواضع القتال للخطاب الفقهي الرسمي يدرك الحقيقة البسيطة التي مؤداها أن رفض هؤلاء الشباب لكلام المشايخ ليس رفضاً من خارج الخطاب بل من داخله. أي، رفض لكلام المشايخ لعلة عدم اتساق الخطاب ذاته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن قابلية قسم من متبنِّي الخطاب المشيخي لتبنِّيَ خطاب السلفية الجهادية عاليةٌ، ألم يحاجّ منظِّر السلفية الجهادية، المقدسي، خصومه من أنصار السلفية العلمية قائلاً: «أئمتنا هم أئمتكم وكتبنا هي كتبكم».
لأضرب مثالين، الأول: «السمبتيك»، نجم «يوتيوب» الذي اشتهر بسخريته كسني سلفي من الشيعة، تطور أمره لاحقاً ليلتحق بـ«داعش». الثاني: مانع المانع الذي كتب كلمات أنشودة «لن تقودي لن تقودي»، الموجهة إلى المرأة في السعودية حول قيادتها السيارة، «نفر» إلى «داعش». بل إن كلمات أنشودته تتسم بما يتسم به الخطاب السلفي المقبول محلياً، لجهة الاعتداد بتجربتنا الوطنية في تطبيق الشرع، إذ يقول: «هاهنا سيف الصمود***سيف الشريعة للأعادي***سوف يقطع كل باغي***جندليهم يا بلادي***حكم ربي في الحدود». أي أنه يعتز بالنموذج المحلي. لكنه بعد خمسة أشهر من هذا الاعتزاز خالف التنظيمات الجديدة والتحق بجماعة إرهابية لم يُرَ مثلها في الوحشية والاستهانة بأمر الدماء.
هل إنتاج خطاب سلفي مشيخي أقل تشدداً ممكن؟ نعم. في مسألة الموسيقى - مثلاً - صدرت عن كل من الدعاة عادل الكلباني وصالح المغامسي وعبدالله المصلح آراء إيجابية وغير معتادة في خطابنا المشيخي. على ماذا يدل هذا؟ يدل على أن خطاباً فقهياً سلفياً أقل تشدداً في طور التشكل، ويمكن له البروز لو أتيحت له الفرصة. فالمجتمع السعودي مر بتغيرات اقتصادية/اجتماعية/ثقافية هائلة جداً. والكثير من أفراد المجتمع اليوم - ولاسيما أفراد الطبقة الوسطى - على رغم ارتباكهم وحرجهم من نقد الخطاب الفقهي السائد أو التلفظ بمعارضته، يسلكون في واقع حياتهم مسلكيات تتباعد مع متطلبات ذلك الخطاب، أي أن الخطاب المشيخي السائد لا يتناغم مع أسلوب حياتهم. نعم، هناك التوقير والاحترام للعلماء، لكن هناك نمط حياة يتطور ويتجذر ويحتاج إلى تلقف خطاب فقهي أقل تشدداً، من ناحية، ويحتاج إلى إضافة الشرعية الدينية على خياراته، من ناحية أخرى. على مستوى الوقائع المجتمعية - مثلما على مستوى الخطاب - تبدو الفرصة مهيأة أكثر لتبنِّي خطاب فقهي أقل تشدداً حيال مختلف مناحي الحياة، وهو ما يسمح بتمتين الأرضية الثقافية المجابهة للإرهاب.


الحياة اللندنية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1495


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.16/10 (11 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com