الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الإرهاب والتطرف
الأبعاد السيكولوجية والسلوكية للتطرف والإرهاب
الأبعاد السيكولوجية والسلوكية للتطرف والإرهاب
03-31-2015 02:31
محمد قنفودي
تعتبر ظاهرة التطرف الديني بمختلف مظاهرها المذهبية الدينية والفكرية الاديولوجية، من بين أكثر التحديات التي تواجه العالم والأمة العربية/الإسلامية اليوم، لما لها من الانعكاسات الخطيرة على المستوى الاجتماعي والأمني للدول والشعوب.
وإن كان التطرف مستشري في مختلف الثقافات الدينية والفكرية، إلا أن تمثله في الدين الإسلامي قد أخد منعطفات دالة، ساعدت على انتشاره وسط شرائح اجتماعية متنوعة، وامتدت جذوره عبر مختلف الدول العربية والإسلامية. فأصبحت مظاهر الغلو والتكفير والتبديع، "موضة للالتزام الديني" ورمي الآخرين بالكفر والخروج عن الدين "أصلا من أصول الدين".
كما وانعكست مظاهره على المستوى الاجتماعي، من خلال تفكيك المجتمع وتمزيق نسيجه، وتفرقته الناس بين التابع للحق والضال المظل، ثم غرسه لقيم التشدد ودعمه بالكتب والفكر والتعبيرات الجمعوية، ليعاد إنتاجه مع كل جيل كثقافة مجتمعية، لا تعترف بالاختلاف والتعدد، فتقصي الاجتهاد لتفرض النظرة الأرثوذكسية على النصوص.
ثم على المستوى الأمني كتجلي طبيعي عن التطرف الفكري، فيكون فرض تلك الأفكار والآراء عبر الإرهاب والترهيب، وقتل الأبرياء والعنف، لإقامة " دولة الإسلام" باجتهاد ما فهمه المتطرف في الدين و السياسية والاقتصاد .
إن ظاهرة التطرف الديني، قد تحيلنا إلى اعتبار هذه الظاهرة "حالة مرضية" في الأمة العربية والإسلامية، حيث أن تمظهرات هذه الحالة، تنعكس على عدة مستويات معرفية وسيكولوجية وسلوكية، إذا ما استحضرنا الأبعاد التالية :
أولا : البعد الــمعرفي والاجتماعي
يرتبط هذا البعد أساسا بقيمة المعارف العلمية والدينية والشرعية، التي يتحصل عليها المتطرف. فالملاحظ أن أغلب العناصر المنضوية تحت لواء التنظيمات المتطرفة، تنتمي إلى مستويات تعرف تدنيا معيشيا واقتصاديا، إضافة إلى ضعف التحصيل العلمي لديها أو انعدامه، مما يجعل التحصين المعرفي في صقل الأفكار وغربلتها يكاد يكون منعدما، فيسهل التأثر بالفكر المتطرف، من خلال الاستماع إلى بعض الشيوخ أو قراءة بعض الكتيبات. فينعكس عنه انعدام القدرة على إعمال العقل في استيعاب وفهم الأفكار، بما يوافق أو يخالف الدين.
كما أن انتماءاتهم الاجتماعية، لأسر فقيرة أو جهات ومدن تعرف ركودا اقتصاديا، وغيابا للتنمية المحلية، إضافة إلى مراكز القرب الاجتماعية التي تعني بالتأهيل الرياضي والاجتماعي والتربوي، يساعد على سهولة الانصهار مع تلك الأفكار، خاصة مع وجود تهيئة قَبْلية ذاتية، من خلال الانعزال عن المجتمع والنظرة الدونية، مما يجعل تلك الأفكار فرصة لتفريغ الأحقاد و الضغينة على المجتمع، بلباس شرعي وغطاء ديني. وهذا ما يظهر في نوع وطبيعة المواقع السوسيو جغرافية الهشة اجتماعيا واقتصاديا، والتي تنتشر فيها التنظيمات والعناصر الناشطة ضمن هذه التوجهات الدينية المتشددة.
ثانيا : البعد العاطفي النفسي
يعتبر البعد الثاني عملية الانتقال من البعد المعرفي كمرحلة أولى، من خلال تبني الأفكار المتطرفة، إلى البعد النفسي كمرحلة ثانية، وذلك من خلال التعصب للأفكار والآراء، وهو يتجلى بشكل واضح، عند تبني أفكار التطرف، والدفاع والدود عنها، والاندفاع عاطفيا ووجدانيا لتبرير الحق فيها، ويكون المخالف لك في الرأي والنظرة العقدية أو الفقهية أو الاجتهادية في فهم النص الديني، مبتدع وزنديق ومرتد، حيث تأخذ العاطفة منحى التهجم بالقول. فلا يسلم المخالف من دعاوى التكفير وفتاوي القتل، ورميه بالمروق عن الدين.
وهذه الحالة النفسية هي استمرار نحو اكتمال "الظاهرة المرضية" للتطرف الديني، وهي عبارة عن اندفاع شبه مبرمج للمتطرف، نحو فرض أفكاره وآرائه الدينية، معتقدا في المخالف، ليس فقط مخالفة أفكاره الاجتهادية، بما فهمه وفسره عن الدين، بل هو مخالفة للدين في كليته بقيمه وقواعده. فالمعارف الدينية التي يتحصل عليها المتطرف داخل تنظيمه، لا يلقن من خلالها طرق التعاطي الإيجابي مع الاتجاه المخالف، وأن الاختلاف رحمة بالأمة، وأن الآراء الفقهية هي متعددة بآراء الفقهاء والمدارس والمذاهب، بل "يشحن بالبغض والكره والحقد" على الآخر، وأن دوره الديني يكمن في تصحيح عقائد الناس، وتأليف كتب الرد ، وتبديع العامة وزندقة العلماء، وتكفير المغالين.
ثالثا : البعد السلوكي الحركي
يعد هذا البعد أخطر مراحل التطرف الديني، حيث يصبح التطرف على مستوى الأفكار منعكسا على مستوى السلوك، فتتحول هذه الاندفاعية دون تعقل أو إحكام للعقل إلى مستوى العنف، من خلال إرهاب الناس عبر عمليات القتل والتفجير، وتنظيم الجماعات ذات الرؤية " الجهادية و القتالية"، من أجل تصحيح " توجهات الأمة". وهذا النوع من السلوك، هو الذي يجر أخيرا إلى الخطر الأمني، من خلال تهديد أمن وسلامة المجتمع والدولة، بغية الوصول إلى إقامة "الدولة الإسلامية"، أو إعلان الولاء لتنظيمات إرهابية خارجية.
إن التهديد الذي يشكله التطرف الديني من خلال بعده السلوكي، هو أثره الشارخ في التماسك الاجتماعي للبناء المجتمعي ابتداء من الأسرة وانتهاء بالمجتمع، إضافة إلى تهديده لأمنه الاجتماعي واستقراره. فالتنظيمات الدينية المتشددة، يبرز تعصبها على عدة وجوه تؤثر على الحياة الفردية والاجتماعية. وهذا التمثل واضح في التوجه "الوهابي" بمختلف تياراته العلمية والتقليدية والجهادية. فآراءه وأفكاره غالبا ما تعارض التوجه القائم في المجتمع، سواء الدينية من خلال المؤسسات الدينية الرسمية، أو الحياتية المعيشية من خلال التوجهات الفكرية الأخرى أو التعبيرات الجمعوية المختلفة.
لابد أخيرا أن نقف عند بعض المخرجات لهذه الظاهرة، وهي تتحقق بداية بضرورة رفع الوعي الجماعي للمجتمع، بخطر التطرف والإرهاب، ووجوب محاربته ومقاومته. وذلك يتأتى من خلال تطوير وسائل التربية البيداغوجية في المدرسة والأسرة، عبر عمليات التوعية والتنوير، من خلال التربية على المواطنة وحب الوطن، والتربية الدينية الوسطية المعتدلة، والتحذير من التطرف والإرهاب وخطورته على الفرد أولا ثم المجتمع والدولة، إضافة إلى التربية على حقوق الإنسان، وهي مسألة ضرورية، حتى يتربى في أجيالنا تقبل الاختلاف والتنوع ورفض التعصب الفكري والديني والإيديولوجي. والإيمان بالحق في الحياة لكل فرد مهما بلغت درجة الاختلاف معه، إضافة إلى السلام والأمن وكونهما أهم ركيزتين للاستقرار.وهذا ما سيمكن من غرس القيم الإنسانية العالية في أجيالنا الصاعدة.

المصدر : إسلام مغربي

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 986


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
10.00/10 (1 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com