الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
دلالات وسياقات العملية الإرهابية في باريس
دلالات وسياقات العملية الإرهابية في باريس
تحولات فارقة:
11-16-2015 04:45
محمد عبد الله يونس
مدرس مساعد العلوم السياسية - جامعة القاهرة
الدين و السياسة :

يُعد الهجوم الإرهابي الذي شهدته العاصمة الفرنسية باريس في 13 نوفمبر 2015 حدثًا استثنائيًّا ونقطة تحول فارقة في الحرب العالمية على الإرهاب بالنظر إلى التحول النوعي في عمليات التنظيمات الإرهابية في الدول الغربية، والسياقات المعقدة التي صاحبت حدوث هذا الهجوم، مما دفع عددًا كبيرًا من المحللين الأمنيين لاعتباره تغيرًا جوهريًّا Game Changer على مستوى محاور المواجهة بين داعش والدول الغربية سيترتب عليه تداعيات مهمة على مستوى كثافة الحرب الدولية على الإرهاب، والعمليات العسكرية في سوريا والعراق، والتعامل مع اللاجئين في الدول الأوروبية، فضلا عن التوجهات السياسية للرأي العام الأوروبي، وصعود التيارات اليمينية والقومية.
تطورات ميدانية:
تكاد تتشابه الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا مع أحداث 11 سبتمبر التي شهدتها الولايات المتحدة من حيث التنظيم وتتابع العمليات ونوعية الخسائر، حيث شهدت العاصمة الفرنسية باريس سلسلة هجمات متزامنة استهدفت ستة مواقع مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 127 مواطنًا وفق الإحصاءات الرسمية وما يقارب 153 وفق تقديرات وسائل الإعلام العالمية، فضلا عن إصابة 250 آخرين بعضهم في حالة حرجة، وهو ما يُعد الهجوم الإرهابي الأوسع نطاقًا في تاريخ فرنسا.
كما شهد استاد فرنسا لكرة القدم ثلاثة تفجيرات انتحارية أثناء مباراة فرنسا وألمانيا التي كان يحضرها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، مما أدى إلى مقتل أربعة أفراد، حيث وقعت التفجيرات بالقرب من مدخل الاستاد وبعيدًا عن تجمعات الجماهير، وتوازى مع ذلك عمليات إطلاق نار متواصلة على بعض الأماكن العامة في شرق باريس، من بينها مطعمان ومقهى ثم شارع الجمهورية، مما أدى لمقتل ما لا يقل عن 37 شخصًا.
أما الهجوم الأكثر دموية فتمثل في اقتحام 4 مسلحين على الأقل يرتدون سترات ناسفة لمسرح باتاكلان أثناء عرض مسرحي لفرقة روك أمريكية، وقيامهم باحتجاز الجمهور، وإطلاق النار عليهم بصورة متواصلة، مما أسفر عن مقتل 112 شخصًا على الأقل إلى أن تدخلت قوات الشرطة الفرنسية، وقامت بتصفية بعض المسلحين الذين قام بعضهم بتفجير أنفسهم قبل القبض عليهم.
أعقب ذلك اتخاذ الرئيس الفرنسي قرارين استثنائيين أولهما إعلان حالة الطوارئ في كامل الأراضي الفرنسية، وهو ما يمنح السلطات الأمنية حق اعتقال المشتبه بهم دون اللجوء للقضاء، وانتشار قوات الجيش في كافة الشوارع، وفرض حظر التجوال، وإغلاق المدارس والجامعات، أما الإجراء الثاني فتمثل في إغلاق الحدود الفرنسية، وإغلاق شبكة القطارات، وتعليق مؤقت للعمل بتصاريح تشنجن، والسماح فقط لمواطني الاتحاد الأوروبي بالدخول لفرنسا.
وعقب إعلان تنظيم داعش مسئوليته عن الهجوم الإرهابي ووصفه بأنه "غزوة مباركة" ردًّا على مشاركة فرنسا في "الحملة الصليبية" وفق بيان التنظيم؛ أعلن الرئيس الفرنسي اعتبار هجوم داعش بمثابة إعلان حرب، وتعهد بمواجهة التنظيم بلا هوادة، وصرح رئيس الوزراء مانويل فالس لقناة "تي أ أف 1" في مساء السبت الماضي "سنضرب العدو الجهادي من أجل تدميره"، وهو ما يمثل أعلى مستوى للتصعيد من جانب فرنسا تجاه الإرهاب، إلا أن تتبع دوافع ودلالات الهجوم تكشف عن احتمال تركيز فرنسا على تأمين الجبهة الداخلية في الفترة المقبلة قبل تكثيف انخراطها في حرب خارجية ضد الإرهاب.
دوافع الهجوم:
تكشف مراجعة سياقات الهجوم الإرهابي على العاصمة الفرنسية عن عدة دوافع لشن هذا الهجوم الإرهابي يتمثل أهمها فيما يلي:
1- منع المشاركة الفرنسية: حيث سبق تدبير داعش للهجوم إعلان فرنسا في مطلع نوفمبر 2015 عن إرسال حاملة الطائرات "شارل ديجول" وعلى متنها مقاتلات الرافال للخليج العربي للمشاركة في الحرب على داعش في العراق وسوريا، بهدف تعزيز المشاركة الفرنسية في الحرب على تنظيم داعش، وهو ما يمثل دافعًا مهمًّا لتنفيذ الهجمات من جانب تنظيم داعش، ويمكن الاستدلال على ذلك بما ذكره شهود العيان في مسرح باتاكلان حول حديث المهاجمين عن مسئولية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن الهجوم لأنه يتدخل في سوريا والعراق.
2- تحجيم الانخراط الدولي: يستهدف تنظيم داعش من تنفيذ هذا الهجوم استعراض قدراته العسكرية على توجيه ضربات مؤثرة داخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية وروسيا بهدف دفعها لتجنب المشاركة في الحرب على التنظيم. وفي هذا الإطار رصدت بعض التحليلات اتجاهًا لدى تنظيم داعش بمنع بعض المتعاطفين من التوجه لسوريا والعراق بهدف استغلالهم في تنفيذ هجمات في الدول التي يتواجدون بها، ويرتبط ذلك بتصاعد وتيرة مشاركة بعض الدول في الحرب على داعش، خاصة روسيا التي كثفت من هجماتها الجوية على داعش، وباتت تتمركز مقاتلاتها بصورة دائمة في القاعدة الجوية الروسية في ميناء حميميم باللاذقية، والأمر ذاته ينطبق على الولايات المتحدة وبريطانيا عقب مشاركة قواتهما في دعم هجمات الأكراد على معاقل داعش في تلعفر وسنجار بالعراق على غرار عملية تحرير الرهائن في شمال العراق التي شاركت بها وحدة من القوات الخاصة الأمريكية في 22 أكتوبر 2015.
3- استعادة الزخم الخارجي: إذ يأتي الهجوم على باريس بعد يوم واحد من قيام تنظيم داعش بتنفيذ هجمات انتحارية متزامنة في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 43 قتيلا، وجرح أكثر من 200 بحسب أقل التقديرات، واستهدف التفجير مناطق تمركز أنصار حزب الله بهدف الرد على مشاركة الحزب في دعم نظام الأسد عسكريًّا، كما يأتي هذا الهجوم عقب استهداف داعش لتركيا، وتنفيذ التنظيم تفجيرين بالقرب من محطة القطارات الرئيسية في أنقرة في 10 أكتوبر 2015 أسفرا عن 96 قتيلا ومئات الجرحى، مما يعكس تركيز التنظيم على إثبات قدرته على تنفيذ هجمات متتابعة في بؤر جغرافية متعددة على المستوى العالمي.
4- إثبات الصدارة الجهادية: يمكن اعتبار الهجوم الأخير الذي شنه تنظيم داعش أحد أهم العمليات التي تستهدف إثبات صدارة التنظيم للتنظيمات الجهادية، وانتزاعه زمام القيادة من تنظيم القاعدة، حيث يأتي الهجوم في بؤرة قريبة للغاية من مقر صحيفة "تشارلي إيبدو" التي شهدت هجومًا إرهابيًّا في 7 يناير 2015 أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، وعلى الرغم من ادعاء تنظيم داعش آنذاك مسئوليته عن الهجوم إلا أن التحقيقات أثبتت أن الأخوين أشرف وسعيد كواشي تم تجنيدهما من جانب أنور العولقي لصالح تنظيم القاعدة في اليمن، وقام بالإشراف على تدريبهما أثناء وجودهما في اليمن في عام 2011، وهو ما دفع تنظيم داعش لتنفيذ هجوم أوسع نطاقًا وأكثر حدة لإثبات استحقاقه للصدارة في مواجهة تنظيم القاعدة.
دلالات استثنائية:
يؤكد تتبع سلسلة الهجمات الإرهابية التي شهدتها العاصمة الفرنسية عن تحولات نوعية في تكتيكات وأساليب تنفيذ العمليات الإرهابية من جانب تنظيم داعش، وتتمثل أهم الدلالات الميدانية لهذه الهجمات فيما يلي:
1- التركيز على الأهداف الناعمة: على نقيض بعض عمليات تنظيم داعش في بعض الدول العربية التي تستهدف مناطق تمركز قوات الجيش والشرطة من خلال اقتحام سيارات مفخخة للمناطق المحصنة يتبعها إطلاق كثيف للنيران وقذائف أر بي جي أو التفجيرات الانتحارية في مناطق تجمع أنصار المذاهب الأخرى مثل المساجد الشيعية؛ فإن التنظيم خطط في باريس لإصابة الأهداف الناعمة Soft Targets وهي مناطق التجمعات الجماهيرية التي تكون الإجراءات الأمنية حولها في حدها الأدنى مما يمكن عناصر التنظيم من تنفيذ هجمات متتابعة، وإيقاع أكبر قدر من الضحايا في صفوف المدنيين.
2- اتساع بقع الانتشار الجغرافي: تتمثل الدلالة الثانية للهجمات في تنفيذ سلسلة من الهجمات المتتابعة في بؤر جغرافية مختلفة بصورة متزامنة، وهو ما يعكس وجود أكثر من خلية خططت لتنفيذ الهجمات على أوسع نطاق لاستعراض قدرات التنظيم في مواجهة الأمن الفرنسي، خاصة وأن أغلب الهجمات وقعت في مواقع قريبة للغاية من مقر صحيفة "تشارلي إيبدو" التي شهدت هجومًا إرهابيًّا سابقًا في يناير 2015، كما فسرت بعض التحليلات الأمنية التركيز على مناطق بشرق باريس نظرًا لحالة الهدوء الأمني، وازدحام هذه المناطق بالمطاعم والمقاهي مقارنة بالإجراءات الأمنية المشددة في غرب باريس وفي محيط بعض السفارات مثل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية.
3-تعدد أساليب الاستهداف: جمعت هجمات عناصر تنظيم داعش بين عدة أساليب شملت الهجمات الانتحارية على استاد فرنسا التي لم تحقق أهدافها بسبب إخفاق العناصر الإرهابية في الوصول لقلب مناطق تجمع الجماهير، حيث كان الهدف الرئيسي تنفيذ التفجيرات في مدرجات الجماهير استغلالا للتغطية التلفزيونية والإعلامية للمباراة في نشر الذعر على نطاق عالمي.
وتوازى مع هذه التفجيرات عمليات إطلاق النيران الكثيفة والمتتابعة على المدنيين في مواقع تجمع المواطنين في المقاهي والمطاعم، فضلا عن عملية احتجاز للرهائن في مسرح باتاكلان تخللها إطلاق متواصل للرصاص على الجماهير، ثم تفجير المهاجمين لأنفسهم في قوات الشرطة حينما حاولت اقتحام المسرح وتحرير الرهائن، وهو ما يعكس مدى تعقيد تنفيذ العملية الإرهابية مقارنة بالعمليات الإرهابية التقليدية.
4- تحولات الأبعاد التنظيمية: بالمقارنة بهجمات تشارلي إيبدو التي يمكن تصنيفها بأنها ضمن أنماط هجمات "الذئاب المنفردة Lonely Wolves"، فإن العملية الإرهابية في باريس لا يمكن تصنيفها ضمن هذا الإطار، حيث إن القائمين بالتنفيذ ينتمون إلى خلية إرهابية موسعة يتجاوز عدد أعضائها 10 أفراد أو أكثر، وتضم جنسيات مختلفة، وفي هذا الإطار تمكنت قوات الأمن الفرنسية من تصفية 8 من القائمين بالهجوم، ووجدت جواز سفر سوري بجانب أحد المشاركين في الهجوم، فضلا عن تأكيد الرهائن في مسرح باتاكلان إتقان عدد من المهاجمين للغة الفرنسية، مما يعكس وجود مواطنين فرنسيين ضمن الخلية الإرهابية.
5- تجاوز الإجراءات الأمنية: يؤكد بعض الباحثين من بينهم مايكل شودوفيسكي -الخبير بمركز البحوث العالمية في كندا- أن وسائل الإعلام الفرنسية نشرت أخبارًا في مطلع أكتوبر 2015 عن وجود معلومات لدى المؤسسات الأمنية الفرنسية حول وجود خطط لتنفيذ هجمات في فرنسا تستلهم نموذج أحداث الحادي عشر من سبتمبر من حيث اتساع النطاق وعدد الضحايا، وهو ما دفع السلطات الأمنية الفرنسية لتشديد إجراءاتها في العاصمة، إلا أن هذه الإجراءات لم تمنع من حصول الخلية الإرهابية على المواد والتقنيات التي مكنتهم من تنفيذ التفجيرات الانتحارية، فضلا عن الحصول على الأسلحة والذخائر رغم وجود حظر قانوني لتداول الأسلحة الصغيرة في فرنسا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يؤكد تخطيط الخلية الإرهابية لهذه العملية منذ فترة وتنفيذها في التوقيت المناسب.
6- تغير وسائط التواصل: لم تتمكن المؤسسات الاستخباراتية الفرنسية من التقاط أي إشارات أو تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي تؤشر لاحتمالية وقوع الهجمات الإرهابية، وهو ما يؤكد تغير وسائط التواصل بين عناصر الخلايا الإرهابية، وتركيزها على توظيف الشبكة المظلمة Dark Net، واستخدام مستوى أعلى من تشفير المحادثات Encryption فيما بينهم، بحيث لا يمكن للأجهزة الأمنية التقاط أية إشارات على عزمهم تنفيذ عمليات إرهابية في توقيت معين، وهو ما يزيد من تحديات تتبع العمليات الإرهابية ومواجهتها من جانب المؤسسات الأمنية.
وفي المجمل فإن العمليات الإرهابية في باريس قد يترتب عليها عدة تداعيات، يتمثل أهمها في تعزيز صعود التيارات اليمينية المتطرفة في القارة الأوروبية، وتطبيق إجراءات أمنية مشددة على السفر والهجرة، خاصة من دول إقليم الشرق الأوسط، فضلا عن تصاعد استهداف تجمعات اللاجئين في الدول الأوروبية، وترحيل عدد كبير من اللاجئين لمنطقة الشرق الأوسط. وعلى مستوى العمليات العسكرية الدولية ضد تنظيم داعش فمن المحتمل أن تشهد تصعيدًا في استهداف مناطق تمركز التنظيم في سوريا والعراق، مع تشكيل تحالف دولي واسع النطاق لضرب القدرات العسكرية للتنظيم واستهداف قياداته. وفي المقابل قد يقوم التنظيم بتنفيذ عمليات إرهابية متتابعة في عدد من دول العالم ردًّا على الإجراءات الدولية المقيدة لحركته والمعززة لمحاربته.

المركز الإقليمي للدارسات

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 2753


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.00/10 (2 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com