الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
الصراع على السلفية
الصراع على السلفية
محمد أبو رمان متحدثا عن راهن السلفية المعاصرة
10-15-2016 05:09
الدين و السياسة : من يتأمل في واقع المجتمعات العربية، يجد أن الأفكار والسلفية وممثليها من الجماعات، باتت تنتشر لدى قطاع واسع من الناس، وهو ما يجعلهم ليسوا غرباء عن المجتمع، بل يشكلون أفكار طبقة واسعة منه.

ولم يتوقف هذا الانتشار على الصعيدين الاجتماعي والشعبي، بين أفراد المجتمع، بل تعدى ذلك إلى المشاركة في النشاط السياسي.

من هذا الواقع، تكمن أهمية دراسة السلفية وفهم أفكارها وأنواعها، ولعل أهم من قدم مجهودًا فكريًا جادًا في هذا المجال، هو الدكتور محمد أبو رمان، الذي ألف العديد من الكتب في تحليل النمط السلفي، وبيان تنواعاته واختلافاته، وفهم بنيته الداخلية، والتفصيل في علاقته بالنشاط السياسي، وسنقدم هنا لكتاب الصادر مؤخرًا عن الشبكة العربية للأبحاث بعنوان “الصراع على السلفية”.

*** *** ***

ابتداءً، يفرق أبو رمان بين أربعة اتجاهات قائمة في السلفية المعاصرة، وهي اتجاهات قد تقاطع مع بعضها البعض، وتُصنَّف كالتالي:

السلفية التقليدية: وهي التي تهتم بالجانب الديني والدعوي والعقائدي، وتبتعد عن الخوض في السياسة، أو تأسيس الأحزاب وممارسة النشاطات السياسية المعارضة، وتمثلت في هيئة كبار العلماء، بقيادة عبد العزيز بن باز ومحمد بن عثيمين.
السلفية الجامية: وهم أكثر تشددًا من السلفية التقليدية، وظهرت في مرحلة الثمانينيات، ولا تكتفي برفض العمل السياسي والحزبي، بل تمارس الهجوم على الأحزاب الإسلامية الأخرى واتهامها بالضلال، ويمثل هذا الاتجاه محمد الجامي وربيع بن هادي المدخلي.
السلفية الحركية: وبرزت في الثمانينيات، وهي تزاوج بين العقائد المواقف السلفية وبين فكر الإخوان، وأبرز ممثليها هم محمد بن سرور وتيار مشايخ الصحوة في السعودية، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في مصر.
السلفية الجهادية: وهو تيار يزاوج بين الفكر الجهادي والسلفي، برز في أوضح أشكاله عبر تنظيم القاعدة، وهو يجمع بين العقائد الدينية السلفية، وبين التأثر بأفكار السيد قطب ومفاهيمه عن الحاكمية.
يقدم أبو رمان هذا الطرح للتأكيد على التنوع داخل التيار السلفي، وأنه لا يمكن رده إلى بعد واحد فقط، ويشرع في تفصيل التيارات السلفية بتنوعاتها في دول المشرق العربي.

*** *** ***

الموقف من الديمقراطية

سنركز في هذه المراجعة على موقف السلفية من الديمقراطية، باعتبارها مسألة مهمة وراهنة في العالم العربي، حيث يقدم الكاتب مقاربة وتحليلًا مهمين، ويحتويان على قدر عالٍ من الجدة والمتانة.

في البداية، يتحدث أبو رمان عن وجود فرضيتين متضاربتين بشأن أبعاد الدور السياسي للأحزاب السلفية ومستقبلها، وذلك بناءً على الهواجس المرتبطة بصعود القوى الإسلامية، وقدرتها على تحقيق نتائج كبيرة في الانتخابات، التي جرت في الدول التي شهدت تحولات في فترة ما بعد الربيع العربي، وتمكن التيارات السلفية بشكل خاص على تحقيق هذه النتائج، وهاتان الفرضيتان كالتالي:

الفرضية الأولى: وتقوم هذه الفرضية على أن الأحزاب السلفية ستطوّر خطابها الأيديولوجي والفكري، لتصبح أكثر واقعية وتنخرط أكثر في ممارسة اللعبة السياسية، بالتالي ذهاب الخوف من هذه الأحزاب، لأنها تعلن التزامها بالعملية الديمقراطية، كالقبول بتداول السلطة والتعددية السياسية.
الفرضية الثانية: وهي تأخذ موقفًا سلبيًا من المشاركة السياسية السلفية، وتشكك من إمكانية هذه الأحزاب من تطوير خطابها الفكري، وتتخوف على مستقبل العملية الديمقراطية من صعود القوى الإسلامية عمومًا والسلفية خصوصًا.
يقر أبو رمان أنه من الصعوبة حسم هذا السجال بين كلتا الفرضيتين، وذلك ﻷنهما تعَبِّران عن إشكال أكبر وأعم، وهو سؤال العلاقة بين الدين والديمقراطية في العالم العربي، وعن مدى إمكانية التعايش والتناغم بين الإسلام والديمقراطية، وكمقدمة للدخول في هذا الإشكال ونتائج الدخول فيه على الأحزاب السلفية، يشرِّح الكاتب الفرضيات، التي تقوم عليها تصورات السلفيين عن الديمقراطية:

الفصل بين الجانب الفلسفي من الديمقراطية وبين آليات وأدوات الديمقراطية، وذلك عن طريق القبول بآليات الديمقراطية ورفض فلسفتها، بوصفها تعبيرًا عن الثقافة الغربية الليبرالية، بالتالي فهم يقبلون بصندوق الاقتراع كأداة للوصول إلى السلطة، في حين لا يقبلون بالدولة المدنية أو العلمانية، كـ”شرط” لنجاح الممارسة الديمقراطية.
يتعامل السلفيون مع الديمقراطية ويقبلونها بوصفها “نظامًا انتقاليًا” وليس نهائيًا، فهم لا يتخلون عن حلمهم بـ”إقامة الدولة الإسلامية”، لكنهم يفضلون الديمقراطية على النظام الديكتاتوري، من باب أخف الضررين.
تستند السلفية في كسب مشروعيتها في مشروع أسلمة المجتمع إلى “حكم الأكثرية”، بمعنى أن المجتمع “المتدين بطبعه” -كما يتصوره السلفيون- هو الذي سيحكم بأفضلية وشرعية الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة.
هذه الفرضيات ونتائجها تصور كيفية تعامل السلفيين مع الديمقراطية، فالسلفيون “يريدون إدماج الديمقراطية في خطابهم الإسلامي، أو توظيف آلياتها لتصبح جزءًا من أدوات ووسائل تحقيق مشروعهم السياسي “الدولة الإسلامية”، وليس العكس، بأن يندمجوا في اللعبة الديمقراطية ويصبحوا جزءًا منها”.

ولكن هذا التصور يناقض في جوهره الديمقراطية ذاتها، ﻷن محصلة ما يريده السلفيون هو قولبة الفنون والسياحة والعلاقات الاجتماعية التعليم والعمل والسياسة والاقتصاد، في إطار “ما لا يخالف الشرع الإسلامي”، وهو ما يتنافى مع الديمقراطية، ﻷن الآليات الديمقراطية لا تتنافى مع فلسفتها، فهناك قواعد ومنظومة متكاملة تحكم نجاح هذه الآليات، لا يعني هذا أنها قواعد صلبة، فهناك تبانات وأنواع للديمقراطية، لكن لا يمكن فصل هذه الآليات عن فلسفة الديمقراطية، ﻷن ذلك “سيؤجج الصراع بين القوى السياسية والحزبية المتنافسة على كعكة السلطة في العالم العربي، وتتقوض مهمة الديمقراطية وجدواها في العالم العربي”، وإذا استواى أي تيار حزبي علماني على السلطة، وفرض رؤيته على المجال العام، فإن هذا سيشعل غضب الإسلاميين، ويدخلنا في دائرة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين.

وبناء على ذلك، يؤكد أبو رمان على ضرورة وجود قواعد ثابتة يحترمها الجميع، إسلاميون وعلمانيون، بحيث تمثل إطارًا جامعًا يضمن العيش المشترك، ولا يجوز الخروج عليه، فالديمقراطية لم تعد تعني اليوم حكم الأكثرية، وذلك بحسب “مارسيل غوشيه”، الذي يشير إلى أنها أصبحت تهتم بدرجة رئيسة بـ”ضمان حقوق الأفراد”.

بالتالي، فإن “حماية الحقوق الفردية والحريات الخاصة واستقلالية الأفراد، توازي في مفهوم الديمقراطية أهمية حكم الأكثرية ودور صناديق الاقتراع في تداول السلطة”.. فمعيار النجاح يتحقق في عملية التوافق أو التفاهم الداخلي، وفي عدم محاولة أي حزب سياسي أن يسعى إلى إحداث تغييرات جذرية أو كبيرة في الواقع الاجتماعي والثقافي، عن طريق استغلال أغلبيته وقدرته على تشريع القوانين.

ويوضح أبو رمان عاملين أساسيين لنجاح هذه التوافق أو التفاهم: الأول عن طريق ما يسميه غوشيه بـ”الحياد الديمقراطي”، أي القبول بأن يتكون العملية السياسية خارج إطار التجاذبات الطائفية والدينية، وأن تستند على الحريات والقبول بالتعددية السياسية والاجتماعية، والثاني في فصل المجال العام ما بين السياسي والمدني، وفي عدم احتكار المجال العام من قبل السلطة، بالتالي تعزيز دور العمل الاجتماعي، التي يمكن أن يعمل بها السلفيون وغيرهم، من دون أن يحدث ذلك عملية اختناق في حلبة الصراع السياسي.

يتعلق نجاح هذا التحول بشرط حدوث تغيير في البنية العقائدية والدينية لدى الجماعات السلفية، كما تستند فرضية دفع السلفيين في الاندماج في المشهد السياسي، وهو أنه “كلما اتسعت مساحة المشاركة السياسية للحركات السياسية للحركات الإسلامية، ودخلت في حوارات ومناقشات وسجالات مع لاعبين آخرين، كلما عزّز ذلك من قوة التيار الأكثر اعتدالًا وانفتاحًا وضيَّق الخناق على التيار المتشدد، والعكس صحيح”.

يختم أبو رمان حديثه عن الموقف من الديمقراطية، ببيان ثلاثة نماذج للحكم يمكن أن تمثل مرشدًا لتصورات مستقبيلة عن النظام السياسي العربي الجديد، وموقع السلفية منه، والخيار الأفضل فيما بينها، الأول هو نموذج الحكم الإسلامي غير الديمقراطي، الذي يطبق الشريعة، ولا يستند في شرعية السلطة إلى الآليات الديمقراطية ولا إلى الانتخابات، ولا تعلن التزامها اتجاه الحريات العامة وحقوق الإنسان، ومن الأمثلة عليه المملكة العربية السعودية، وحكم طالبان سابقًا، وحركة الشباب المجاهدين في الصومال.

والنموذج الثاني هو الديمقراطية الدينية، أي نظام له دستور ويستند على آليات الانتخابات وتداول الديمقراطية، لكنه يخضع لحكم الشريعة، مثل جمهورية إيران الإسلامية.

أما النموذج الثالث فهو التركي، الذي مثلته تجربة حزب “العدالة والتنمية” التركي في الحكم، وهو لا يخضع لتحكيم الشريعة الإسلامي، ولا يغير جذريًا في الدستور والقوانين والأعراف السياسية، لكنها تحاول أن تدخل تعديلات تعزز الجانب المحافظ الأخلاقي والقيمي في المجتمع، وهي قريبة أيضًا من النماذج الجديدة في تونس والمغرب.

والنموذج الأخير لا يمثل حكمًا إسلاميًا، “لكنه الأكثر اقترابًا من النهايات المنطقية لإعلان الإسلاميين الالتزام باللعبة الديمقراطية”، و”ربما يكفي الالتزام بقيم ومبادئ إسلامية، مستمدة من طبيعة المجتمعات العربية، تشكل محددًا أو إطارًا ضابطًا للتشريعات والسلوكيات السياسية”، بالتالي فإنه نموذج واقعي لأنه مستمد من المجتمع نفسه. وهو الأسية”.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 511


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.57/10 (5 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com